أعمال لجنة إصلاح القطاع العام ” النتائـج والتطبيـق ” ــ المقال رقم /111/

صحيفة الثورة   – دمشق – سورية

العدد:   13243 تاريخ 2/2007/ 22

 

بتاريخ 17/10/2006 أصدر السيد رئيس مجلس الوزراء قراراً بتشكيل لجنة مهمتها وضع الإطار التشريعي لإصلاح القطاع العام الصناعي ، كلفت برئاستها ضمت أحد عشر عضواً من بينهم مندوبين عن الاتحاد العام لنقابات العمال واثنين من أساتذة جامعة دمشق .

مع تشكيل اللجنة وخلال فترة عملها كانت موضوعاً تناولته وسائل الإعلام ومناسبة للرأي والحوار في اجتماعات ومنتديات عامة نقابية وحزبية .

في اللقاءات التي أتيح لي المشاركة فيها كنت ألتزم دائماً بأن أعرض من خلال وسائل الإعلام ما ستتوصل إليه اللجنة من نتائج ليكون موضوعاً لحوار المختصين بالشأن الاقتصادي والمهتمين بالقطاع العام وشؤونه ، ذلك ضروري – وفق ما أرى – لأسباب عديدة منها :

  • إن هذا القطاع قضية رأي عام بامتياز ، فملكيته للمجتمع ككل وبالتالي فشؤونه وقضاياه هي من حق المجتمع ومن اختصاصه .
  • إن توسيع دائرة الحوار حول أية قضية يوسع دائرة الخيارات بشأنها ويخلص صانع القرار من حصار الخيار الوحيد .
  • ليس فينا من يملك الوطن فنحن جميعاً شركاء فيه ، وبالتالي من حق الجميع لا بل ومن واجبهم المساهمة في الحوار حول شؤونه وقضاياه .

انطلاقاً من ذلك أضع أمام المهتم موجزاً لمجريات عمل اللجنة وما توصلت إليه بعد جهود مكثفة وعمل دؤوب استمر نحو أربعة أشهر .

مع بدء اللجنة لاجتماعاتها اتضح وجود العديد من قضايا الاتفاق وقضايا الخلاف بين أعضائها حول منهجية وآلية إصلاح القطاع العام الصناعي ، ونظراً لعدم وصول اللجنة إلى اتفاق حول قضايا الخلاف انتهت لوضع صيغتين لمشروع قانون إصلاح القطاع العام الصناعي تم رفعهما إلى رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 8/2/2007 ، على أن يترك لمؤسسات القرار العليا اعتماد التوجه المناسب بشأنهما.

لضيق المجال لن نتمكن من استعراض جميع قضايا الوفاق والخلاف لذلك سيقتصر العرض على أبرزها والرأي فيها ، وهي :

  • ضرورة الإصلاح : كان هنالك اتفاق عام في اللجنة على أهمية إصلاح هذا القطاع وعلى ضرورة إعطاء صلاحيات واسعة لمجالس إدارات المؤسسات واللجان الإدارية في الشركات .
  • جهة الارتباط : وفق الصيغة الأولى يبقى ارتباط القطاع العام الصناعي بوزارة الصناعة ، أما الصيغة الثانية فترى فصله عن الوزارة وإلحاقه بهيئة تحدث تسمى ” الهيئة التنفيذية لتأهيل القطاع العام ” . القطاع العام كما هو معروف ملكية مجتمع ومن المنطقي أن يبقى خاضعاً لإرادة جهة حيادية تعبر عن مصلحة المجتمع وهي الدولة بوزاراتها ومؤسساتها ، لذلك أجد في فصل القطاع عن الوزارة وإلحاقه بهيئة يصعب تحديد طبيعة وكفاءة مجلس إدارتها أمراً باعثاً للقلق ولا يدعو للاطمئنان على إدارته بحيادية وبما يخدم مصالح المجتمع ككل.
  • قانون التجارة : تتيح الصيغة الأولى إخضاع منشآت هذا القطاع لقانون التجارة في ما لم يرد عليه نص في مشروع القانون المقترح ، بينما تتضمن الصيغة الثانية إخضاع منشآت القطاع بالمطلق لقانون التجارة مع إلغاء ضمانة الدولة لمؤسساته وشركاته .

إن الأخذ بما ورد في الصيغة الثانية سيعرض القطاع العام الصناعي للمخاطر الواردة في قانون التجارة من إعلان إفلاس وتصفية وما شابه .

    د-     العمالة : تتضمن الصيغة الثانية إخضاع العاملين في القطاع العام الصناعي لقانون العمل وتعديلاته ، بينما تُبقي الصيغة الأولى المقترحة على تبعية العاملين في هذا القطاع للقانون الأساسي للعاملين في الدولة .

إن إخضاع العاملين لقانون العمل يحرمهم من المزايا التي يتيحها لهم القانون الأساسي للعاملين في الدولة ، كما يعرضهم لمخاطر عديدة أهمها احتمال التسريح إذا أخذ بصيغة العقد شريعة المتعاقدين التي يتم الحديث عنها حالياً.

هـ-           الملكية : بنيت الصيغة الأولى من مشروع القانون في الجوهر على المحافظة على الرابح من القطاع العام الصناعي وتوفير الظروف الملائمة لتعظيم ربحه ، مع وضع الأساس التشريعي المناسب لمعالجة أوضاع الخاسر منه . أما الصيغة الثانية فتقوم على إمكانية التصرف بملكية منشآت هذا القطاع الرابحة منها والخاسرة على السواء بعناوين وأشكال مختلفة ، مثل : الشراكة مع رأس المال الخاص المحلي أو الأجنبي – التصرف بالأصول الزائدة – إقامة شركات مشتركة – تصفية بعض المؤسسات والشركات والمنشآت القائمة – توسيع قاعدة الملكية … يصعب القبول بهذا النهج لأسباب عديدة ، منها :

  • افتقاره للمبرر الاقتصادي فهنالك ما يزيد على 50% من شركات القطاع العام الصناعي رابحة . فقد بلغ إجمالي رأس المال المستثمر في مؤسسات وشركات ومنشآت وزارة الصناعة 167 مليار ل.س نهاية عام 2005 وبلغ صافي أرباحها بعد الضريبة نحو 11 مليار ل.س في العام نفسه ، مما يعني تحقيق عائد استثمار بلغ نحو 5ر6% وهذا يقارب الفوائد المصرفية على الودائع القصيرة الأجل 7% سنوياً. فمن منظور اقتصادي بحت نسأل لماذا نتخلى لرأس المال الخاص المحلي أو الأجنبي عن مشاريع عامة رابحة حالياً وقادرة على أن تكون أكثر ربحاً مستقبلاً ؟
  • تناقضه مع السياسة العامة للدولة وتوجيهات رئيس مجلس الوزراء للجنة باعتماد مقررات المؤتمر القطري العاشر للحزب كمرجعية لعملية الإصلاح ، وهذه بدورها أكدت على إصلاح القطاع العام دون أن يقود ذلك إلى الإضرار به أو تصفيته .
  • إن دور القطاع العام في سورية في تراجع مستمر ، حيث تراجعت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد من 54% في عام 1975 إلى نحو 32% في عام 2006 ، علماً بأن مساهمة قطاع الدولة في بريطانيا 39% والسويد 44% وفرنسا 47% ، بالإضافة إلى ما سبق أرى أن حقائق الواقع السوري تقتضي الحفاظ على قطاع رابح كقوة تدخل وطنية سياسية ، اقتصادية واجتماعية تدعم المحافظة على توازن المجتمع واستقراره .

تأسيساً على ما سبق كنت ولا زلت من المنحازين لفلسفة الإصلاح التي تقول بالمحافظة على الرابح من القطاع العام مع معالجة أوضاع الخاسر منه ، وهذا ما بنيت عليه الصيغة الأولى لمشروع القانون التي احتوت على ثلاثة عشر فصلاً مقسمة إلى 74 مادة تدور حول جملة من محاور الإصلاح ، نستعرض أهمها في الآتي :

 

1- فصل الإدارة عن الملكية

 

اقتضى اعتماد هذا المبدأ إعطاء صلاحيات واسعة لمجالس الإدارة واللجان الإدارية في المؤسسات والشركات والمنشآت العامة بما في ذلك تسمية المدراء وإبرام العقود ورفع سقوف الشراء المباشر دون العودة إلى أية جهة وصائية طلباً للموافقة أو المصادقة .

2- تنظيم العلاقة مع وزارة الصناعة

نص المشروع على بقاء تبعية المؤسسات والشركات والمنشآت لوزارة الصناعة مع التخفيف من أعبائها الإدارية المتعلقة بالجهات التابعة بحيث تتمكن الوزارة من ممارسة دورها الرئيسي في اختيار التوجهات ورسم السياسات لقطاع الصناعة على الصعيد الوطني .

 

3- تحديد العلاقة مع وزارة المالية

 

تنحصر العلاقة وفق المشروع بدفع الضريبة على الأرباح وتوريد حصة المالك من الأرباح إلى الخزينة العامة، مع مراعاة احتفاظ جهات هذا القطاع بفوائضها الاقتصادية لمدة      /5 سنوات/ كمرحلة انتقالية لترتيب أوضاعها ومن ثم يطبّق عليها ما ورد في القانون المالي الأساسي الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /54/ لعام /2006/.

 

    4- الرقابـــة

 

يقيد المشروع مباشرة الجهات الرقابية لمهامها التفتيشية بطلب من الجهة المعنية أو بموافقتها، ضمن آلية حددها المشروع.

 

     5-العمالـــة

 

المحافظة على حقوق العاملين ومكتسباتهم مع إعطاء الحق للسلطة المعنية بنقل العمال ضمن المحافظة الواحدة وفق آلية حددها المشروع.

 

    6- الحوافـــز

 قُسِّمت إلى قسمين:

  • 50 %  تُصرَف وفق النظام السائد حالياً بصرف النظر عن ربحية الشركة أو المنشأة.
  • 50 % تصرف بعد إقرار الميزانية للجهة المعنية إذا كان صافي أرباحها   لا يقل عن 50 % من الكتلة الإجمالية للحوافر السنوية .

 

 7- الأربــــاح

 

خصص المشروع نسبة من الأرباح للتوزيع حدّها الأقصى 10 % من صافي الأرباح السنوية بعد الضريبة للشركة أو المنشأة، إذا توفر الشرطين التاليين:

  • تحقيق عائد استثمار لا تقل نسبته عن مستوى يحدده المجلس الأعلى للإصلاح.
  • أن لا يتعدى مخزون الشركة أو المنشأة نسبة من الإنتاج السنوي يحددها المجلس الأعلى للإصلاح.

 

8-الشركات والمنشآت الخاسرة

 

 تضمّن المشروع ثلاثة خيارات لمعالجة أوضاع الشركات والمنشآت الخاسرة، هي:

أ-     دراسة الجدوى الاقتصادية لتغيير نشاطها.

ب-     في حال عدم توفر الجدوى من تغيير النشاط تُدرَس الجدوى من نقل تبعية الشركة أو المنشأة إلى إحدى الجهات العامة الأخرى داخل أو خارج وزارة الصناعة.

جـ-     إذا تعذّر الأخذ بأي من الخيارين السابقين يتم طرح الشركة أو المنشأة للاستثمار  أو المشاركة مع رأس المال الخاص المحلي أو الأجنبي ويراعى في ذلك الآتي:

–   إعادة تقييم الأصول الثابتة للشركة أو المنشأة المعنية.

–   السماح بتغيير النشاط.

–   المحافظة على حقوق العاملين.

يشترط مشروع القانون لمعالجة أوضاع شركة أو منشأة وفق الخيارات السابقة أن يكون ناتج قسمة مجموع (صافي الأرباح بعد الضريبة – الخسائر ) لخمس سنوات متتالية على القيمة الدفترية لأصولها الثابتة في السنة الخامسة سالباً بنسبة لا تقل عن (25%)  .

9-إحداث صندوق للإصلاح

 

تضمّن المشروع إحداث صندوق يسمى صندوق الإصلاح يُموّل من:

  • ما تخصصه الدولة من اعتمادات.
  • نسبة من صافي أرباح المؤسسات و الشركات و المنشآت يحددها المجلس الأعلى للإصلاح.
  • عوائد الاستثمار أو المشاركة في الشركات و المنشآت الخاسرة.
  • الإعانات والهبات
  • أية موارد أخرى.

على أن يحدد المجلس الأعلى للإصلاح أسس وضوابط التصرف بموارد الصندوق.

 

                   10-إحداث مجلس أعلى للإصلاح

 

تضمن مشروع القانون إحداث مجلس يشرف على إصلاح وتطوير القطاع العام الصناعي يسمى المجلس الأعلى للإصلاح برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية عدد من الوزراء مع رؤساء بعض الأجهزة الرقابية المعنية ورئيس الاتحاد العام لنقابات العمال ، من مهامه : توجيه عملية الإصلاح – معالجة أوضاع المنشآت الخاسرة- تحديد شروط الاستثمار والمشاركة وضوابطهما – وضع أسس وضوابط التصرف بموارد صندوق الإصلاح – تغيير نشاط أو إيقاف أية شركة أو منشأة عن العمل لضرورات يقدرها المجلس .

مع تعدد محاولات الإصلاح السابقة لهذا القطاع والتي لم يكتب لها الوصول إلى نتيجة نهائية يطرح نفسه بحق التساؤل التالي : هل سيتحول مشروع القانون هذا إلى قانون ؟ وإذا صدر القانون هل سيطبق بالروح التي وضع بها ؟

بخبرة الماضي نقول تصعب الإجابة بيقين على كلا السؤالين ؟! لكن أمانة المسؤولية تقتضي التوضيح بأن اللجنة قد لمست أثناء وضع المشروع اهتماماً ملحوظاً ولاقت دعماً كبيراً من قبل القيادة القطرية للحزب والحكومة على السواء وهذا ما يجعلنا أقل تشاؤماً وأكثر تفاؤلاً بمستقبل محاولة الإصلاح الحالية .

في الختام قد يكون من الضروري التأكيد على أنه إذا قدر لهذه المحاولة الاستمرار فنجاحها مرتبط بدعم المجتمع وقواه الفاعلة باعتباره المالك للقطاع العام .

ليعرض المشروع إذاً على مؤسسات الحياة العامة في مجتمعنا…..خاصة مجلس الشعب ….ليقول المالك كلمته في مستقبل ملكيته .

 

                                                                                 الدكتور محمد توفيق سماق