أمريكا ومنظمة التجارة العالمية ( منظمة التجارة العالمية ليست أمريكية أكثر من المنظمات الأخرى العاملة في إطار الأمم المتحدة !!) ــ المقال رقم /65/

صحيفة تشرين– دمشق – سورية

العدد: 7587  تاريخ  12/1999/ 22

كان الإخفاق الذي اتسم فيه الاجتماع الوزاري الأخير لمنظمة التجارة العالمية WTO الذي عقد في مدينة سياتل الأمريكية (أوائل الشهر 12/ 1999) ومظاهر الاحتجاج الذي رافقته (مظاهرات ، كتابات ، تصريحات ) مناسبة لطرح موضوع منظمة التجارة العالمية مرة أخرى للدراسة والتحليل .  ما يلفت النظر في بعض الكتابات الصحفية حول الموضوع، خاصة العديد من الكتابات العربية اعتبار منظمة التجارة العالمية منظمة أنشأتها الولايات المتحدة الأمريكية للتحكم بالتجارة العالمية ومن خلالها التحكم بالاقتصاد العالمي وبالتالي فإخفاق مؤتمر سياتل هو إخفاق للولايات المتحدة وتوجهاتها العالمية. أغلب الظن أن هذه المقولات وما شابهها تعود في جوهرها إلى أحد أمرين: إما الجهل بطبيعة المنظمة؟ أو تجاهل طبيعتها؟ دعماً لموقف مسبق من تحرير التجارة العالمية والتوجهات الاقتصادية الدولية للولايات المتحدة الأمريكية . بصرف النظر عن الدافع لتلك المقولات (سواء كان الجهل أو التجاهل) فالأمر يقتضي التوضيح ، التعامل مع أي ظاهرة – من منطلق القبول أو الرفض – يفترض أولاً معرفة تلك الظاهرة ( طبيعتها ، ظروف نشأتها ، أثرها .. وما شابه)  فبدون تلك المعرفة يتحول التعامل الواعي إلى ارتجال محكوم بالعواطف مقيد بالهوى مما يفقده القدرة على الفعل والتأثير . تأسيساً على ما سبق نسوق التوضيحات الآتية حول المنظمة وعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية :

  1. طبيعة المنظمة : منظمة التجارة العالمية ، يرمز لها اختصاراً WTO وهذا الاختصار مكون من الأحرف الأولى لكلمات الجملة الانكليزية( World Trade Organization منظمة التجارة العالمية) هي المنظمة الوريثة لاتفاقية الغات . تم اتخاذ قرار إنشاء المنظمة في اجتماع مراكش 12-  1994/4/15 الذي حضره مندوبو حوالي 120 دولة من دول العالم ، حيث تم التوقيع في جلسته الختامية 1994/4/15 على الوثائق النهائية المتعلقة بالجولة الثامنة للمفاوضات التجارية المتعددة الأطراف التي عقدت في إطار الغات أو ما يسمى جولة الأوروغواي . تهدف المنظمة إلى تحرير التجارة العالمية بشكل تدريجي من كل القيود والكوابح  ( الجمركية ، والإدارية ، وغيرهما) المعيقة لحركتها ، أي خلق عالم بلا حدود من الناحية التجارية ، وقد بلغ عدد الدول الأعضاء في المنظمة 132 دولة حتى الشهر السابع من عام 1998. أي أن الذي أنشأ المنظمة ليس الولايات المتحدة الأمريكية وإنما 120 دولة في العالم من بينها الولايات المتحدة الأمريكية ، وأن هذا التجمع يضم حالياً نحو 132 دولة .
  2. الوضع القانوني للمنظمة : تعتبر المنظمة من زاوية القانون الدولي إحدى المنظمات المتخصصة العاملة في إطار هيئة الأمم المتحدة وليس منظمة الأمم المتحدة ، فغالباً ما يتم الخلط بين المصطلحين شأنها في ذلك شأن العديد من المنظمات الدولية مثل : صندوق النقد الدولي – البنك الدولي – منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية – منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم ( اليونسيكو) – منظمة الصحة العالمية – الوكالة الدولية للطاقة الذرية … وما شابه . علماً بأن التنسيق بين المنظمات المتخصصة العاملة في إطار هيئة الأمم المتحدة يتم من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للهيئة . إذاً من ناحية الوضع القانوني أيضاً ، فمنظمة التجارة العالمية ليست أمريكية بأكثر مما هي منظمة الصحة العالمية ، على سبيل المثال .
  3. آلية اتخاذ القرار : لكل دولة عضو في منظمة التجارة العالمية صوت واحد مهما بلغ حجم اقتصادها فالولايات المتحدة الأمريكية التي ساهمت بنحو 25% من الدخل العالمي في عام 1996 تملك صوتاً واحداً في المنظمة شأنها شأن الأوروغواي التي ساهمت بنحو 0,06% فقط من الدخل العالمي في العام نفسه . هذه الآلية المعتمدة في اتخاذ قرارات المنظمة تضعف من قدرة الدول الصناعية على التأثير المباشر في عمل المنظمة وتعطي قدرة أكبر لدول الجنوب على التأثير . فعلى سبيل المثال لو انضمت جميع الدول العربية إلى منظمة التجارة العالمية لكان لها 22 صوتاً ، أي 22 ضعف القدرة التصويتية للولايات المتحدة الأمريكية ، مع أن مساهمة العرب في الدخل العالمي تقل عن 2%.

ومن الأمور المستغربة في هذا السياق تردد بعض الدول العربية في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بدعوى الخوف على مصالحها بسبب سيطرة دول الشمال المتقدمة صناعياً على المنظمة ، وفي الوقت نفسه نجد هذه الدول أعضاء في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي . علماً بأن آلية اتخاذ القرار في الصندوق والبنك تعكس بالفعل سيطرة الشمال المتقدم صناعياً بخلاف منظمة التجارة العالمية التي أخذت بمبدأ التساوي بين الدول ( صوت واحد لكل دولة ) ففي الصندوق والبنك الدوليين نجد أن لكل دولة عضو فيهما عدد من الأصوات مساوٍ لنسبة مساهمتها في رأس المال .  في صندوق النقد الدولي كان في عام 1994 نصيب الدول الخمسة التي تملك أكبر حصة في رأسمال الصندوق على النحو الآتي:

الولايات المتحدة الأمريكية 18% من رأس المال وبالتالي الأصوات .

ألمانيا واليابان ولكل منهما 6% من رأس المال وبالتالي الأصوات.

فرنسا وبريطانيا ولكل منهما 5% من رأس المال وبالتالي الأصوات.

جملة القول :

  • إن منظمة التجارة العالمية ليست منظمة أمريكية لا من حيث نشأتها ولا من حيث وضعها القانوني ولا من حيث آلية اتخاذ القرار فيها ، إنما هي منظمة دولية.
  • لا شك أن للولايات المتحدة الأمريكية دوراً مميزاً في هذه المنظمة وتميز الدور الأمريكي في المنظمة يفسره تميز الولايات المتحدة على الصعيد الدولي ، باعتبارها وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي انفردت بقمة العالم زعيمة بلا منافس ومسيطرة من غير منازع . فعلى الرغم من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية العديدة التي تعاني منها ( ارتفاع معدلات الجريمة ، المخدرات ، البطالة ، المديونية الحكومية الداخلية ، وغيرها) تظل عوامل قوة الولايات المتحدة واضحة تؤكد حضورها في مختلف المجالات . ففي :

المجال الاقتصادي : بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 7434 بليون دولار أمريكي ( الأولى في العالم) شكلت نحو 25% من الدخل العالمي في عام 1996 ، كما بلغ حجم صادراتها 652 بليون دولار أمريكي( الأولى في العالم) شكلت 12% من إجمالي الصادرات العالمية  في العام نفسه.

المجال العسكري : هي القوة العسكرية الأولى في العالم ، ففي عام 1995 بلغت نفقات الدفاع المعلنة للولايات المتحدة 278 بليون دولار أمريكي ، وهذا يعني أن إنفاقها العسكري المعلن قد زاد عن مجموع الإنفاق العسكري لبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا البالغ 144 بليون دولار أمريكي  بـ 134 بليوناً في العام نفسه.

في مجال الفضاء : للولايات المتحدة السبق أيضاً في هذا المجال وقد كان وصول العربة الفضائية المستكشف إلى سطح المريخ عام 1997 للمرة الأولى أحد معالم هذا السبق.

  • إذا أمكن للبعض اعتبار الدور المتميز للولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية مبرراً كافياً للابتعاد عن المنظمة والخصومة معها ، فالمبرر نفسه يجب أن يدفعها للمطالبة بالابتعاد عن العالم وأهم منظماته ، والخصومة مع القرن العشرين وأبرز حقائقه . فمنظمة التجارة ليست أكثر أمريكية من هيئة الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة العاملة في إطارها ، وهي كذلك ليست أكثر أمريكية من القرن العشرين كله، فالقرن العشرين قرن أمريكي بمقياس حقائق الواقع          ( بصرف النظر عن العواطف ) ، أي حقيقة انتصار النمط الأمريكي وهزيمة النمط السوفيتي في حرب استمرت نحو 70 عاماً ( أي منذ نشوء الاتحاد السوفيتي وحتى انهياره).

دور الولايات المتحدة الأمريكية في العالم ( ومنه منظمة التجارة العالمية ) محكوم بقوة الولايات المتحدة  ( الاقتصادية ، العسكرية ، العلمية .. وغيرها ) وتلك عوامل متغيرة بحكم تجارب الحياة ودروس التاريخ ، أما العالم فهو ثابت أزلي يستحيل الخروج منه وتصعب الخصومة مع حقائقه.

فهل الحكمة ترك الموقف من العالم أو الموقف من القرن لحكم العواطف ونزعات الهوى؟

في ظني أن الأمر أكثر أهمية وأكثر خطورة من أن نقدم على ذلك؟!

 

 

الدكتور محمد توفيق سماق