الإصلاح الاقتصادي بين اعتدالنا وتطرفهم ؟ ـــ المقال رقم /115/

صحيفة الثورة   – دمشق – سورية

العدد:   13345 تاريخ  6/2007/ 25

 

المتابع للمشهد الاقتصادي في سورية يرصد سجال يخبو وينشط منذ سنوات تبعاً للظروف بين نهجين يطالبان بالإصلاح أحدهما منفتح ومعتدل والآخر قابل للتوصيف بمنغلق ومتطرف. المعتدلون ينادون بالإصلاح ويعملون له وفق أسس ومنطلقات عبّر عنها المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي جوهرها يقول نعم للإصلاح لكن بشرطين : الحفاظ على توازن المجتمع واستقراره وألا يكون التحول على حساب الطبقات والشرائح الأضعف في المجتمع .

المتطرفون ينادون أيضاً بالإصلاح ويرغبون في التحول لكني أجدهم لا يسمعون إلا صوتهم ولا يرون إلا مصالح من يمثلون فهم يريدون الإصلاح بالحد الأقصى من السرعة بصرف النظر عن الخاسر من طبقات المجتمع وشرائحه ناسين أو متناسين حسابات توازنه واستقراره وكي لا يبقى الأمر مجرد توصيف نظري نحدد لنقول بأن السجال الحالي يدور حول عدد من القضايا أبرزها قضيتين : قضية الدعم وقضية القطاع العام .

بالنسبة للدعم يتمحور الجدل حالياً حول قضية دعم المحروقات خاصة المازوت حيث تطالعنا وسائل الإعلام نقلاً عن مصادر رسمية بأرقام متباينة -حسب المصدر – عن حجم هذا الدعم . بعض الأرقام تحدثت عن 123 مليار ليرة سورية في عام 2005 والبعض الآخر قدره بـ185 مليار ليرة سورية في العام نفسه ومصدر ثالث أعلن منذ فترة قريبة أن حجم دعم المشتقات النفطية يبلغ 250 مليار ليرة سورية .

المطالبة برفع الدعم تستند إلى عدد من المبررات ، منها :

  • ذهاب الدعم في معظمه إلى الأغنياء وليس إلى الفقراء بسبب التباين في كمية الاستهلاك لدى الشريحتين ( الأغنياء والفقراء ) ، لكن لا بد من التذكير هنا بأن حاجة الفقراء لمحروقات رخيصة هي قضية حياتية بالمقابل يعتبر الأمر بالنسبة للأغنياء قضية رفاه وترف.
  • تهريب المحروقات بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالدول المجاورة . فمثلاً يبلغ سعر ليتر المازوت في سورية 7.3 ليرة سورية بينما يبلغ في الأردن حوالي 22 ليرة سورية وفي لبنان حوالي 33 ليرة سورية وفي تركيا نحو 80 ليرة سورية لكن بالمقابل نجد أن الحد الأدنى للأجور في الأردن حوالي 154 دولار أمريكي شهرياً وفي لبنان نحو 250 دولار وفي تركيا يقارب 1000 دولار ، بينما لا يزيد في سورية عن 4805 ليرة سورية (تعادل نحو 96 دولار أمريكي) وبالمحصلة نجد أن الدولة تدعم المواطن بسعر المحروقات لكن بالمقابل فالمواطن يدعم الدولة بأجوره المنخفضة مقارنة بالمواطن في الدول المجاورة ذات الظروف المشابهة .
  • تراجع إنتاج النفط وتزايد الضغوط على ميزان المدفوعات: حسب البيانات الرسمية فإن إنتاج النفط قد تراجع في سورية من 169 مليون برميل في عام 2004 إلى 145 مليون برميل ( 398 ألف برميل يومياً ) في عام 2006 . ومع ذلك لا بد من التوضيح بأنه وفق معدلات الإنتاج والاستهلاك الحالية فإن الاحتياطي النفطي المؤكد لدينا لا يزال يكفي لحوالي 20 سنة قادمة ، كما أنه وبالرغم من هذا الانخفاض فقد قدرت الفوائض النفطية بـ 246.5 مليار ليرة سورية في موازنة عام 2007 ( تشكل نحو 42 % من إجمالي اعتمادات الموازنة ) .

تأسيساً على ما سبق نقول بأنه قد يكون هنالك بعض الضرورات الاقتصادية التي قد تؤدي إلى رفع الدعم عن المحروقات لكن لا بد من التذكير بضرورات أخرى اجتماعية واقتصادية تقتضي أن يتم ذلك وفق عدد من الأسس ، منها :

– أن يكون رفع الدعم متدرجاً وليس بأسلوب الصدمة كما قد يرغب البعض.

-أن يكون هنالك تعويضاً مجزياً للمواطنين ، وأجد في هذا السياق إجرائين ضروريين دراسة إصدار بطاقات تموينية بأسعار مخفضة على غرار بطاقات المواد المدعومة الأخرى (السكر- الرز – … ) مع التأكيد على أن تكون مخصصات الأسرة كافية لتوفير مستواً كريماً من العيش ، على أن يقترن ذلك بزيادة الرواتب والأجور في الدولة والقطاع العام مع إلزام القطاع الخاص بزيادة مماثلة . هنا  أرى من المهم التنبيه لعدم دقة بعض الدراسات حول زيادة الأسعار والتعويضات المحتملة نتيجة لرفع أسعار المازوت ، فإحدى تلك الدراسات توصلت إلى نتيجة تقول بأن زيادة أسعار المازوت بمعدل 256 % من السعر الحالي سيؤدي إلى زيادة عامة في الأسعار بحدود 6 % فقط ؟! مثل تلك الدراسات قد تؤدي إلى قرارات متعجلة يدفع المجتمع ثمنها غالياً .

– دراسة أثر رفع الدعم على كلف الإنتاج مع إيجاد السبل الكفيلة بالتقليل منها حفاظاً على القدرة التنافسية لاقتصادنا ، الذي يعاني بالأصـل مـن           محدوديتها .

إن اعتماد الأسس السابقة وربما غيرها هي جوهر اجتماعية اقتصاد السوق الذي أقره مؤتمر الحزب . هنا نعود للتذكير بأن كلمة اجتماعي في مصطلح “اقتصاد السوق الاجتماعي ” ليست زائدة في المقام وليست ترفاً في الصياغة فهي مقصودة لذاتها ، هي رسالة واضحة للداخل والخارج بأن سلطة البعث في سورية لا زالت ملتزمة بمصالح الطبقات والشرائح الأضعف في المجتمع بالرغم من تبنيها للتحول باتجاه اقتصاد السوق  فالسوق الذي نريد لن يكون على حساب الأضعف أو الأفقر . هذا ما يقودنا بالتداعي إلى القضية الثانية في سجالنا الاقتصادي وهي قضية القطاع العام باعتباره ملجأ الفقراء وأداة التدخل الوطنية المشهود لها سياسياً ، اقتصادياً واجتماعياً .

من البداية نقول بأن قطاع الأعمال العام ( أي القطاع الذي يعمل وفق معايير الربح والخسارة ) يجب أن يكون رابحاً ، فمقولة قطاع عام خاسر أو مخسر لم تعد مقبولة     وطنياً . هذا ما يقتضي البحث عن إصلاحه بهدف المحافظة على الرابح وتعظيم ربحه مع تقديم الحلول المناسبة – حتى لو كانت صعبة – للخاسر منه. هنالك جهوداً تبذل في هذا المجال جرى الحديث عنها في مناسبات قريبة عديدة في مختلف وسائل الإعلام ، لكن المستغرب في زمن البحث عن حلول لإصلاح القطاع العام أن ترتفع بعض الأصوات المطالبة بخصخصته أي بتصفيته الرابح منه والخاسر على السواء . في هذا المجال نورد بإيجاز بعض القضايا حول القطاع العام توضيحاً للحقيقة ودفعاً لأي التباس قد تسببه بعض البيانات المضللة المنشورة :

  • القطاع العام ليس خاسراً بمجمله ، فمثلاً القطاع العام التابع لوزارة الصناعة يتكون من 8 مؤسسات تضم 92 شركة بلغ إجمالي رأسمالها المستثمر    536 مليار ليرة سورية في عام 2006 وبلغ صافي عائد نشاطها الاقتصادي ( صافي الأرباح بعد الضريبة –الخسائر ) ما مجموعه 9.836 مليار ليرة سورية وهذا يعني عائد استثمار حوالي 6 % . أي ما يقارب فوائد المصارف للودائع القصيرة الأجل ، وهي نتيجة مقبولة ضمن الظروف المعقدة والصعبة التي يعمل فيها القطاع العام وهي أيضاً نتيجة قابلة للزيادة والتطور بتغيير تلك الظروف.
  • لسنا البلد الوحيد في العالم الذي لديه قطاع عام ، فنحن من البلدان التي تتسم بتدني مساهمة القطاع العام فيها بالنشاط الاقتصادي وليس العكس ، مساهمة القطاع العام لدينا في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 32 % في عام 2006 بينما بلغت هذه النسبة 39 % في بريطانيا و 44 % في فرنسا و 47 % في السويد وهذه الدول لم تعرف ماركس في اقتصادها ولم تكن جزءاً من المنظومة السوفيتية في تاريخها .ما دفعها للحفاظ على القطاع العام ضروراتها الوطنية الاقتصادية والاجتماعية، ولا أظن منصفاً يجادل بأن الضرورات الوطنية التي تدفع للمحافظة على القطاع العام في بلد من بلدان الجنوب كسورية ليست أقل من الضرورات في تلك الدول العريقة في ليبراليتها والمغرقة في رفاهها المنعمة بتوازن مجتمعاتها واستقرارها .
  • لم تكن الخصخصة بالطريقة التي مورست فيها في العديد من الدول أكثر من مهرجانات للفساد صادرت فيها بأبخس الأثمان قلة من المترفين أو النافذين ثروة المجتمع فأنتجت جيوشاً من العاطلين عن العمل الباحثين عن لقمة العيش المشبعين بالنقمة وربما بالرغبة في الانتقام .

الإصرار على خصخصة القطاع العام لاسمه فقط غير قابل للتفسير إلا بأحد    أمرين: إما الجهل بدوره وحقائقه والنتائج المترتبة على ذلك أو تعبيراً عن نزعة ثأرية انتقامية ظنّ البعض أن أوان الإفصاح عنها قد حان ؟

إن كان الأمر جهلاً فالحل هو البحث عن الحقائق لإدراكها وإن كان نزعة للثأر والانتقام فهو التطرف بأوضح تعابيره والغلو بأجلى مظاهره ، وفي هذا السياق يحضرني حديثاً لإمام المصلحين الرسول العربي الكريم وهو يقول :

” إياكم والغلو في الدين … فقد هلكت أممٌ  قبلكم لغلوهم في الدين ”

إذاً الغلو في الدين غير جائز فهل يجوز التطرف بدعوى الإصلاح ؟

 

 

                                                      الدكتورمحمد توفيق سماق