الانفتاح على العالم جدل حول الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وزارة الاقتصاد تؤيد والمال تخشى المنافسة غير المتكافئة ــ المقال رقم /66/

صحيفة المستقبل– بيروت – لبنان

العدد:   422  تاريخ  3/2000/ 4

 

ما زالت مسألة انضمام سورية إلى منظمة التجارة العالمية (” غات ” سابقاً) موضوع جدل ونقاش ، والمواقف منقسمة على نفسها بين مؤيدين ومعارضين ومترددين ، ومع أن النقاش غير مرشح للحسم قريباً، فإن المعارضين يحتلون مساحة واسعة داخل بنى المؤسسات والشركات الحكومية ، فهؤلاء يعتقدون أن تحرير التجارة العالمية من الرسوم ، سوف يلغي تدريجياً الدور الاقتصادي الذي يلعبه القطاع العام ، وقد يؤدي مع الزمن إلى الدخول في اقتصاد السوق من أوسع الأبواب ، إلى جانب الاعتقاد بأن طريق (الغات) محفوف بالمخاطر والمغامرات ، نتيجة ظروف موضوعية مرتبطة بطبيعة الاقتصاد الوطني وهويته الموجهة وخصائصه وآلية أدائه ، يضاف إلى ذلك الاعتراف الضمني والمضمر بعدم مواكبة الصناعة السورية لمثيلاتها في الدول الصناعية الكبرى ، وعدم قدرتها على الدخول إلى حلبة المنافسة مع عمالقة الاقتصاد العالمي ، من دون إغفال التخلف التكنولوجي وقصور التشريعات والقوانين وعدم محاكاتها للتحولات والتغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي ، منذ أفول نجم الحرب الباردة .

كذلك لا يخفي المعارضون أن تحرير التجارة السورية سوف يسهم في زيادة المستوردات وتراجع الصادرات ، وبالتالي سيفُقد سورية حرية قرارها الاقتصادي ، نظراً لارتباط هذا القرار بالسياسة الاقتصادية العالمية ، وتعديل أنظمة التجارة الخارجية بما يتماشى وأهداف مبدأ السوق المفتوح ، بإلغاء القيود الكمية ، ومبادئ الحصر والمنع والتقييد ، على نحو يجعل السلع المصنعة المستوردة تحدياً كبيراً للسلع والمنتجات السورية.

 انقسام بين الاقتصاد والمال

وقد باتت صور الانقسام في الرأي بشأن الانضمام إلى اتفاق منظمة التجارة العالمية ، تتخذ صوراً معلنة في أحاديث المهتمين والمحافل الاقتصادية ، وباتت مادة للحديث في المحاضرات والندوات وحتى في الاجتماعات الرسمية التي تعقدها المؤسسات والشركات الحكومية ، وتنقل وسائل الإعلام السورية بين حين وآخر ، مواقف متباينة ومختلفة لمسؤولين ومديرين عامين في القطاع العام . وقد تباينت المواقف أخيراً ، بشكل واضح وملموس بين وزارتي المال والاقتصاد . وضمن وجهة نظر هذه الأخيرة ، أن انضمام سورية إلى المنظمة ، يحمل في طياته عوامل ايجابية للاقتصاد السوري تفوق الآثار السلبية ، وتتكئ وزارة الاقتصاد في هذا الشأن على مجموعة من المعايير أبرزها:

  • إن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ، سيؤدي إلى تحسين الإنتاج لأن المنافسة بين السلع ستشتد ، وتدفع بالصناعة السورية نحو الارتقاء.
  • إن إلغاء الحواجز التي كانت تعيق حركة التجارة الدولية ، شأنه أن يفتح أمام الدول الأعضاء مجالات أكبر للوصول إلى أسواق جديدة ، وإلى زيادة الإنتاج والنمو الاقتصادي ، وهو الأمر الذي لا ينطبق على الدول التي تبقى خارج الاتفاق.
  • إن حماية الحقوق الفكرية والإبداعية والتصاميم الصناعية ، سيساعد في إيصال التكنولوجيا الجديدة إلى المنتجين في الدول الأعضاء ، بشكل أسهل وأسلم ، ويسهم في تطوير الإنتاج وزيادته.

ويختلف رأي وزارة المال ، فهي تفضل البقاء خارج المنظمة العالمية ، انطلاقاً من وجود مجموعة من الظروف الموضوعية وغير الموضوعية التي لا تسمح بالخوض في هذه المغامرة . ومن أبرز الأسباب التي تشير إلى إمكان مواجهة المخاطر :

  • إن حماية الحقوق الفكرية والأدبية والإبداعية والتصاميم وغيرها ، ستؤدي إلى ارتفاع أسعار تلك الحقوق للمستفيدين منها.
  • إن مجرد إلغاء الدعم عن بعض المنتجات الزراعية والصناعية ، ستؤدي إلى ارتفاع أسعارها لمستورديها ، وتحرير أسواق الخدمات وشرط معاملة موردي الخدمات الأجانب مثل معاملة المحليين ، قد يؤدي إلى منافسة غير متكافئة للشركات المحلية.
  • إن تحرير التجارة من الرسوم سيلحق الضرر بالصناعات الناشئة غير القادرة على المنافسة ، والصناعة السورية تنتمي إلى هذه الصناعات . ونظراً لتفوق الاستيراد في سورية على التصدير ، فإن ميزان المدفوعات سيواجه خللاً كبيراً.

تشجيع خبير في المنظمة

وأما الخبير في منظمة التجارة العالمية إدوين كيسي ، فقد شجع سورية للدخول في المنظمة ، وأبرز  ما قاله في هذا ” يجب أن تتذكر بأن سورية كانت عضواً مؤسساً في اتفاق ” غات ” وقد لعبت دوراً رائداً عندما بدأ تأسيس “الغات ” ولكن لسوء الحظ لم تصبح سورية عضواً حتى الآن في منظمة التجارة العالمية ، ويمكن لسورية أن تستفيد كثيراً من انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية  ، لأن لديها مقدرة صناعية جيدة جداً ، وسيتيح الانضمام إلى المنظمة للمصنعين فيها الفرصة لتحسين إنتاجهم ، كي يكونوا في مصاف المصدرين إلى الأسواق العالمية “.

ويضيف الخبير : ومع أن بإمكان سورية الانتساب إلى المنظمة العالمية ، في أي وقت تشاء ، إلا أنه مفيد جداً أن تنضم بأسرع وقت ممكن ، كي تستفيد من دورها الرائد الذي كان لها في بدء نفاذ  ” الغات ” في الأربعينات ، وإذا أصبحت سورية عضواً في منظمة التجارة العالمية ، فسيساعد هذا في جذب المزيد من الاستثمارات ، ونقل التكنولوجيا إليها ، وسيساعد كثيراً ازدهار الاقتصاد السوري.

ازدواج غير مفهوم

محمد توفيق سماق من الباحثين الاقتصاديين السوريين ، وهو عضو في لجنة التنفيذ والمتابعة في منطقة التجارة الحرة العربية . سألته ” المستقبل ” عن رؤيته ، فقدم إجابة انتقد من خلالها الموقف المتردد من الانضمام إلى المنظمة ورأى فيه ازدواجاً . يقول سماق ” بعد توقيع اتفاق مراكش  عام 1994 تحول اتفاق ” الغات ” إلى منظمة التجارة العالمية التي باشرت عملها مطلع عام 1995 وحتى تموز 1997 ، بلغ عدد الدول الأعضاء في المنظمة 132 دولة . منذ ذلك التاريخ وحتى  الآن، لا يزال التردد جوهر الموقف من المنظمة ، فتارة نسمع أن دوائر القرار الاقتصادي تدرس الموضوع ، وطوراً يلمح البعض إلى أن ” الغات ” والمنظمة التي نتجت منها ، سلعة ضارة بمصالحنا ، وينصح عدم التعامل معها . هذا التردد تجاه منظمة التجارة العالمية ، يقابله حسم ووضوح فيما يتعلق بشقيقي المنظمة الآخرين : صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، فسورية عضو في كليهما وهي تسعى إلى تطوير علاقتها مع كلتا المؤسستين ( إقرار مجلس الشعب بزيادة حصة سورية في صندوق النقد الدولي).

ولتوضيح هذه النقطة التي لا تخلو من مفارقات يؤكد سماق التالي:

  • تماثل الوضع القانوني للمؤسسات الدولية الثلاث ، فهي تعد جميعاً من زاوية القانون الدولي ، من المنظمات التي تتمتع بوضع قانوني خاص في الأمم المتحدة .
  • دورها على الصعيد العالمي ، فلكل منها دور حاكم في مجال اختصاصه ( منظمة التجارة فيما يتعلق بقضايا التجارة العالمية ، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في كل ما يتعلق بالسياسات النقدية والاستثمارية على المستوى الدولي ).
  • قدرة دول الجنوب – وسورية منها – على القيام بدور أشد تأثيراً في منظمة التجارة العالمية ، من ذلك الدور يمكن أن تلعبه في مجالي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، ففيما تملك كل دولة عضو في منظمة التجارة العالمية صوتاً ، تملك في المقابل الدول في الصندوق والبنك عدداً من الأصوات يتناسب مع إسهامها في رأسمال كلتا المؤسستين.

ويخلص سماق إلى أن التردد والانتقاء لغة عصر مضى ، أي لغة عصر كان العالم فيه متعدد الأقطاب ، متنوع الأنماط ، يتسامح مع التردد ولا يعترض على شرعية الانتقاء . أما وقد تغير العالم إلى عالم آحادي الهوية ، مركزي نزعة ، فقد أضحى العصر أقل استعداداً للتسامح مع التردد ، وأشد اعتراضاً على شرعية الانتقاد . عصرنا هذا يصنف التردد اغتراباً عنه ، والانتقاء خروجاً على قوانينه . إنه عصر الخيارات المحدودة : الاندماج بتكاليفه أو الاغتراب بمجاهيله . تلك هي خيارات العصر ! فما هي خياراتنا نحن ؟ ألم يحن الوقت بعد كي نختار ؟

الغات ” قدرنا “

ولم يُخفِ النائب والصناعي رياض سيف تشجيعه وحماسته للانضمام إلى منظمة التجارة   العالمية ، ويرد على سؤال ” المستقبل ” فيقول ” قبل مدة قصيرة على ولادة التجارة العالمية في جولة مراكش عام 1994 ، تقدمت في مجلس الشعب وتحديداً بتاريخ 15/11/ 1994 ، بمداخلة طالبت فيها بضرورة الإسراع في بحث دخول سورية إلى المنظمة ، وبينت في غير مناسبة أن السؤال   لا يتناول إمكان الدخول أو عدم الدخول ، فهذا السؤال مضى وانقضى ، ومنظمة التجارة العالمية  باتت قدراً لا مفر منه ، والمطلوب اليوم التركيز وتكثيف الجهود على التعامل مع هذا القدر ، بما يضمن مصالحنا القومية ، هذا الكلام قلته – مثلما ذكرت – قبل أشهر قليلة من ولادة المنظمة العالمية ، ولكن مع الأسف ، ها هي السنوات تمضي وموقف سورية مازال يراوح في المكان .

ويرى سيف أن وزارة المال تعارض الانضمام لقاء ما يمكن أن تخسره من الرسوم الجمركية ، من دون أن تأخذ في الحسبان ما يمكن أن تحصده من فوائد في حال الانضمام إلى الاتفاق ، وهي أيضاً لم تحسب الخسائر التي يمكن أن تلحق بالاقتصاد السوري مع البقاء خارج الإجماع الدولي . فحسب الأرقام والإحصاءات الرسمية ، بات ما نسبته 96 بالمئة من حجم الاقتصاد العالمي اليوم تحت مظلة اتفاق منظمة التجارة العالمية . ومع بداية عام 2005 سيكون الاتفاق نافذاً ، وسيلغى كل نظام الحصص المعمول به في التجارة الدولية ، وباعتقاد سيف أن البقاء خارج هذا الاتفاق ، شأنه أن يلحق الأضرار بالاقتصاد السوري . ففي ذلك التاريخ 2005 ستحصل الدول النامية الملتحقة بالمنظمة على شروط تفضيلية في التجارة العالمية . ولن تستفيد سورية بالتأكيد وستحرم منها ، إذا بقيت خارج أكبر منظمة عالمية .

وبغض النظر عن وجهة نظر النائب رياض سيف ، فالأمر الواضح من مواقف المؤيدين سواء أكانوا من القائمين على القطاع العام أو الخاص أو حتى المفكرين والاقتصاديين ، هذه المواقف جميعها ترى أن الانضمام لم يعد يتقرر بنتيجة مؤشر الأرباح والخسائر الناجمة عن ذلك ، وإنما يحسمه عدم إمكان العيش خارج هذا النظام التجاري الدولي الجديد . ويرى هؤلاء أن الانضمام بات ضرورياً في ظل سياسة الحكومة الاقتصادية ، وهو يشكل حافزاً لتطوير المنتجات الوطنية.

 

صحيفة المستقبل