البحث العلمي في سورية لماذا ؟ وكيف ؟ ـــ المقال رقم /32/

صحيفة البعث – دمشق – سورية     

العدد :9815 –   تاريخ: 1/9/1995

في الخطاب الذي افتتح به السيد الرئيس حافظ الأسد أعمال الدور التشريعي السادس لمجلس الشعب      / الشهر التاسع 1994 / وفي سياق حديثه عن برنامج عمل البلاد للمرحلة المقبلة قال سيادته :   “… وإذا لم نمسك بناصية البحث العلمي ونسبر أغواره فلن نملك التقدم الذي ننشده وقد لا نحافظ  على منجزاتنا التي حققناها بعرق شعبنا وتضحياته ..” بتلك الكلمات المعبرة وضع السيد الرئيس بين يدي الدولة والمجتمع مفتاح أهم بوابات هذا العصر وكل عصر أي بوابة التقدم أما مفتاحها فهو العلم بلا ريب.

القرآن الكريم تبدأ أولى آياته بكلمة ” إقرأ ” ومن مدلولاتها الإلحاح على المعرفة ، عصر النهضة في أوروبا بشر به وقدم له عصر التنوير وهو عصر سيادة العقل المضاء بنور العلم والمتحرر من  وهم الخرافة وسطوة الجهل . في دول الجنوب ومع بداية عصر التحرر من الاستعمار القديم بعد الحرب العالمية الثانية أدرك العديد من القادة المستنيرين في هذه الدول ومفكريها بأن الاستقلال السياسي الحديث العهد سيبقى هشاً منقوصاً إذا لم يعزز ويدعم بتنمية حقيقية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية . ولعل خير ما يعبر عن تصور الجنوب حول الربط بين مقولتي تعزيز الاستقلال السياسي ونجاحات التنمية ذلك الخطاب الشهير الذي ألقاه أحد ابرز قادة الجنوب في حينه الراحل جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند الأسبق في اجتماع اللجنة السياسية لمؤتمر باندونج ( المؤتمر الذي أعلن فيه تأسيس حركة عدم الانحياز ) في عام 1955 . بعد أن يتحدث نهرو عن مستقبل الدول الحديثة العهد بالاستقلال خاصة في آسيا وأفريقيا منبهاً إلى أنه على الرغم من الاستقلال السياسي الذي أعطي أو سيعطى للمستعمرات الباقية منها ، من قبل قوى السيطرة الاستعمارية التقليدية فإن هذه القوى ستستمر في إحكام سيطرتها على المستعمرات السابقة التي تحولت أو ستتحول إلى دول لكن بصيغ وأشكال جديدة ( اقتصادية و علمية و تكنولوجية ..) يصل في ختام كلمته تلك إلى القول مخاطباً قادة العالم الثالث المجتمعين في باندونج:

“… إنني لا أقصد أن أزرع اليأس في قلوبكم ولكنني أريدكم أن تأخذوا قضية الاستقلال جداً إنكم                 – أو بعضكم – على بابه فعلاً ولكن جواز الدخول إليه ليس بقصاصات الورق التي ستوقعونها مع مستعمريكم القدامى . جواز مروركم إليه أن تكونوا جادين تستشعروا أن كلمة الاستقلال وكلمة الحرية ليست تعبيرات فرح وإنما هي أثقال مسؤولية ، مسؤولية مخيفة. هذا ما أريدكم أن تفهموه إن السيطرة الجديدة لن تكون بالجيوش ولكن بالتقدم ، التقدم هو وسيلة السيطرة الجديدة . أنتم متقدمون إذاً فأنتم سادة ، أنتم متخلفون إذاً فأنتم مقهورون مهما وقعتم من قصاصات ورق ومهما رفعتم من قصاصات قماش سميتموها أعلاماً. سوف تأخذكم جميعاً حمى التنمية وسوف نتكلم عنها ونملئ الدنيا كلاماً ، لكن هنالك سبيلاً واحداً إلى التنمية  وهو العلم . فماذا لدينا منه ؟

أليس بين دعوتي نهرو وحافظ الأسد صلة قربى على الرغم من فارق السنين / قرابة نصف قرن / ؟

الصلة وثيقة كما هو واضح صنعتها بصيرة القيادة التي يشتهر بها كلا الزعيمين . أليس إدراك الواقع بالعقل والبصر واستشعار المستقبل بالحس والبصيرة من أبرز سمات القيادة وشروطها على مر الزمن واختلاف العصور ؟

وعودة على بدء – نسأل – إذا كان العلم مطلوباً في كل عصر فلماذا الإلحاح عليه الآن ؟ وكيف نستطيع أن نترجم هذا الإلحاح إلى واقع ملموس ومنتج ؟

في الإجابة على السؤال الأول نستطيع القول أن العالم يتجه حثيثاً نحو الانفتاح تحت راية العالمية التي تحمل لواءها وتدافع عنها قوى اقتصادية وسياسية كبرى وفاعلة في عالم اليوم ، كما أن المنطقة العربية تقترب تدريجياً من مواجهة تحديات كبرى متعددة ومتنوعة تفرض بعضها متغيرات عالم اليوم ، ويستدعي بعضها الآخر النجاحات المحققة والمتوقعة للجهود المبذولة لنقل المنطقة من حالة الحرب إلى حالة التسوية ومن عصر الصراع بين الجيوش وأسلحتها إلى عصر الصراع بين  الشعوب وحضاراتها .

وتجارب التاريخ تدل على أن ما يحققه أي طرف في صراعه مرهون إلى حد بعيد بحجم موارده المتاحة والمحتملة من ناحية وبطريقة إدارته لها من ناحية أخرى وفي ساحة صراع الحضارات المقبل سيكون وكما هو واضح الآن الاقتصاد اهم ساحات الصراع وقاعدته ومواضيعه ،  مما يرتب علينا كعرب إجراء مراجعة موسعة وشاملة لسياساتنا التنموية وآليات عملنا بهدف توظيف أفضل واستغلال أجدى من الماضي لموارد التنمية في بلداننا مع ضبط مسار الحركة بما يتناسب ومتغيرات عالم اليوم ويعزز من قدرتنا على الاستجابة للتحديات التي تواجهنا.

وإذا كانت الضرورة تستدعي شمل جميع القطاعات في الاقتصاديات العربية بتلك المراجعة فإن القاعدة العلمية التكنولوجية لهذه الاقتصاديات ربما كانت معنية بها أكثر من غيرها بسبب الفجوة العلمية                 و التكنولوجية التي تفصلنا عن المستوى العالمي في هذا المجال .

تشير تقديرات اليونيسكو إلى أن تفاوتاً كبيراً يسود في المستوى العلمي والتكنولوجي بين الدول العربية والعديد من دول العالم.

في مجال البحوث العلمية يستثمر الوطن العربي حوالي 0,75 % من ناتجه القومي بينما تبلغ هذه النسبة في العالم الصناعي حوالي 2,9 % حالياً.

من أهم النتائج المباشرة لتدني المستوى العلمي والتكنولوجي للاقتصاديات العربية تسرب قسم كبير من موارد التنمية في المنطقة العربية إلى خارج دول المنطقة . فبعض التقديرات تشير إلى أن الدول العربية تنفق سنوياً / مستوى أوائل التسعينات / ما يتراوح بين 120 و 140 بليون دولار في قطاعات البناء والإسكان والبنية التحتية وصيانة المنشآت المدنية والعسكرية ، يذهب حوالي 50% من هذه المصاريف إلى مستشارين ومتعاقدين أجانب.

وعلى المستوى الوطني تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن قطاع الصناعة التحويلية في سورية مثلاً ساهم في عام 1993 بحوالي 93% / نحو 4 بليون دولار / من إجمالي واردات البلاد ، ومن الطبيعي القول في هذا المجال إن تطوير القاعدة العلمية والتكنولوجية للاقتصاد السوري سيساهم بشكل فعال في تقليص فاتورة الواردات عامةً وحاجة قطاع الصناعة للاستيراد على وجه الخصوص . جملة القول إن العلم كان وسيبقى أحد أهم مفاتيح التقدم عبر الزمن وفي كل العصور ، فلنلح على امتلاك ما نستطيع منه . فهل ننجح في ذلك وكيف ؟

هنا لا بد من التفريق بين نقل العلوم والتكنولوجيا واستخدامها من ناحية . وإبداعها وإنتاجها من ناحية أخرى . وفي هذا المجال سيتم استعراض مكثف وسريع لمستلزمات إنتاج العلوم والتكنولوجيا في دولة نامية كسورية .

بداية – وتجنباً لسوء فهم محتمل – قد يكون من المفيد التوضيح أن هنالك الكثير من مما بذلته سورية في العقود الأخيرة في مجال الارتقاء بالمستوى العلمي والتكنولوجي للبلاد من ازدياد عدد الجامعات وعدد المراكز المعنية بإجراء البحوث العلمية وتوفير الكثير من مستلزمات البحث العلمي ، كذلك هناك نمو مضطرد في إعداد ونسبة المتعلمين بين السكان مع تراجع مرافق لأعداد ونسبة الأميين .. وغير ذلك ، لكننا لن نفصل في تلك المؤشرات الإيجابية بل سنتناول وباختصار بعض المستلزمات الضرورية لإجراء بحوث علمية جادة في البلاد والتي لا زالت بحاجة إلى المزيد من العناية والتطوير وأبرز هذه المستلزمات التي نعنيها:

  • الكادر
  • الموارد
  • المناخ
  • الكادر البشري المؤهل : تشير البيانات الرسمية إلى أن خللاً كبيراً يسود بين قمة وقاعدة هرم العمالة في سورية من حيث مستوى التأهيل العلمي . فبيانات المكتب المركزي للإحصاء تشير إلى أنه بتاريخ 31/12/1994 كان هناك ما نسبته 42% من العاملين في الدولة والقطاع العام مم مستوى الأمي والملم بالقراءة والابتدائية بينما لا تتجاوز نسبة حاملي مؤهل الماجستير والدكتوراه نسبة 0,8 % بالإضافة إلى هذا الخلل الكمي الملحوظ هنالك سؤال آخر يتعلق بالنوع وهو : ما هي القدرة الفعلية لقمة هرم العمالة في سورية / أي نسبة 0,8 % المؤهلة تعليمياً / على التعامل مع تحديات البحث العلمي ومشكلاته ؟

لا شك أن الإجابة المحددة على ذلك ليست بالأمر اليسير ، فلا زلنا في البداية وربما يحمل التطور اللاحق لعدد البحوث ومستواها وجدواها بعض الإجابة على هذا السؤال . قضية أخرى تتعلق بالكادر البشري وهي إلى أي مدى نحسن استثمار ما هو متاح لدى هذا الكادر من قدرات علمية ومهارات عملية ؟ البيانات المتوفرة عن أوضاع حملة المؤهلات العلمية – خاصة المؤهلات العالية – في الدول العربية توحي أن جميع الدول العربية تعاني مما اصطلح على تسميته بهجرة العقول والأدمغة . فبيانات أوائل التسعينات تشير إلى أن هنالك حوالي ثلاثمائة ألف عربي من حملة الشهادات الجامعية العليا ممن يمكن تصنيفهم وفق المعايير الدولية بخبراء مهاجرين خارج أوطانهم في أوروبا وأمريكا الشمالية لا شك أن هنالك عدداً لا يستهان به منهم من السوريين . هذه المستويات المرتفعة لهجرة العقول والأدمغة العربية إلى خارج أوطانهم تعبر عن أزمة حقيقية تعيشها الكوادر الوطنية في دولها أزمة متعددة الجوانب نفسية وعلمية ومادية.

بشكل عام يمكن القول أن الحديث عن تطوير البحث العلمي في سورية يستدعي أولاً الحديث عن مشاكل الكادر البشري المؤهل ثم العمل على معالجتها لاحقاً وفق عدد من الأسس أهمها:

  • الاستمرار في التوسع قدر الإمكان بسياسة نشر التعليم في المجتمع والتشجيع على ذلك.
  • الاعتراف بقدرات الكوادر الوطنية واحترامها و الإقرار بالحاجة إليها مع إعطائها الفرصة للبحث الجاد والمعمق بما يتناسب مع مستوياتها وتخصصاتها العلمية وعدم استعجال نتائج أعمالها.
  • اعتماد سياسة أجور مناسبة توفر لها مستوى لائقاً من الحياة الكريمة يتناسب وحاجة المجتمع لدورها في الحياة العامة .
  • الموارد المائية : وهنا يمكن تلمس مشكلتين أساسيتين هما قلة الموارد المتاحة للتنمية عامة وندني نصيب البحوث العملية منها خاصة.

بالنسبة للمشكلة الأولى فهي عامة تعاني منها معظم دول الجنوب وهي في إحدى جوانبها انعكاس لتدني مستوى الأداء الاقتصادي في هذه الدول . وبصرف النظر عن أسباب ومبررات هذه المشكلة إلا أنها تشكل عائقاً جدياً أمام تنشيط البحث العلمي وتطوير القاعدة العلمية والتكنولوجية في دول الجنوب ، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار الكلف المرتفعة والنفقات المالية الكبيرة التي تحتاجها عمليات البحث والتطوير في هذا العصر . فمثلاً تشير بعض التقديرات إلى أن تطوير دواء جديد يكلف  في المعدل نحو 200 مليون دولار أي حوالي 10 بليون ليرة سورية / بأسعار صرف الأسواق المجاورة / يعادل ذلك ما يزيد على 2,5 ضعف ميزانية وزارة التعليم العالي في سورية  لعام 1994.

وإذا كانت زيادة الموارد المتاحة للتنمية من القضايا الهامة التي تحتاج معالجتها إلى زمن طويل وتتعلق بعوامل عديدة ومعقدة فإن الملح والممكن حالياً هو زيادة مخصصات أنشطة البحث العلمي وعدم النظر إلى الموارد المالية المخصصة لذلك باعتبارها نفقة بل استثمار يتوقع مردوده على الأمد الطويل.

  • المناخ الملائم للبحث العلمي: ربما كان ذلك أهم المستلزمات على الإطلاق فهناك الكثير مما يمكن أن يقال هنا من تشجيع الباحثين وتحفيزهم والاهتمام بنتائج أعمالهم وتوفير الوسائل والتجهيزات لهم .. وغير ذلك ، إلا أن الشرط الأهم في هذا المجال هو تطوير مستوى استعدادنا لاحترام الرأي الآخر خاصة في حال اختلاف هذا الرأي مع ما نرغب أو نعتقد. ذلك ينطبق على الجميع باحثين ومؤسسات مما يستدعي اختصار قائمة الممنوعات قدر الإمكان وتوسيع دائرة المسموح به قدر المستطاع . في هذا السياق لا بد من التوضيح أن أطروحتي العلم والمنع من طبيعتين متناقضتين تماماً ، فتقدم أحدهما يعني تراجعاً أكيداً للأخرى ، وبالتداعي نستطيع القول أن الإمساك بناصية البحث العلمي يقتضي التخلي عن المنع بوسائطه وأدواته. إن الشرط الضروري للبحث الجاد عن الحقيقة هو الإقرار بأنه ليس منا من يملكها كاملة.

 

 

الدكتور محمد توفيق سماق