انطباعات من موسكو ــ المقال رقم /112/

صحيفة الثورة – دمشق – سورية

العدد: 13271 تاريخ 28/3/2007

عقد في موسكو خلال الفترة 22/3/2007 – 21 منتدى دولي   لتعزيز التعاون بين روسيا وآسيا وأفريقيا شاركت فيه بتكليف من القيادة القطرية للحزب.

حضر المنتدى عدد كبير من مندوبي دول آسيا وأفريقيا وحظي برعاية ودعم ملحوظين من قبل مؤسسات الدولة الروسية (رئاسة الجمهورية –البرلمان – المجلس الاتحادي – وزارة الخارجية – وزارة الطاقة والصناعة –اتحاد غرف التجارة والصناعة – وكالة الفضاء الروسية ..وغيرها ) من أبرز النتائج التي توصل إليها المنتدى تأسيس مركز للتعاون العلمي والتقني بين روسيا وآسيا وأفريقيا مقره موسكو مع التوصية بالعمل على إنشاءمراكز موازية له في الدول الآسيوية والأفريقية يوكل إليها مهمة توجيه وتنسيق التعاون العلمي والتقني أو بصياغة أخرى التعاون الاقتصادي بين روسيا الاتحادية ودول آسيا وأفريقيا.

من خلال الكلمات التي ألقيت في هذا المنتدى والمداولات التي جرت في إطاره والاتصالات التي أخذت طابعا ثنائيا في سياق أعماله يتكون لدى المهتم جملة من الانطباعات جديرة بالتأمل والتسجيل من أبرزها:  إحساس الذين تحدثوا من دول آسيا وأفريقيا بقساوة ومرارة المناخ السائد حاليا في ظل النظام العالمي القائم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي قاد إلى تفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقمة العالم كقوة وحيدة مسيطرة دون منازع حقيقي حتى الآن  . نبرة الشكوى ونفحة الأسى لم تخل تقريباً من أية كلمات ألقيت في هذا المنتدى من قبل مندوبي دول آسيا وأفريقيا حتى أن البعض خاصة من الدول الأفريقية ألح على الماضي وكأنه يريد استحضاره لإلغاء الحاضر فذكر بالعبودية والنهب المنظم الذي مارسته أوروبا والدور السوفييتي في تحرير أفريقيا ومواجهة قوى الهيمنة الغربية مطالبا روسيا اليوم أي روسيا الاتحادية بألا تكون وريثاً سياسياً فقط إنما أيضا وريثاً أخلاقياً لروسيا السوفييتية  . الوراثتين السياسية والأخلاقية معاً   – حسب رأي هؤلاء – ستساعد دول القارتين الآسيوية والأفريقية وشعوبها على التقليل من مرارة الأسى والتخفيف من مشاعر اليتم التي تشعر بها حاليا في ظل نظام عالمي لاحق فيه إلا لقوي ولا واجب فيه إلا على ضعيف. بالمقابل كانت نبرة الرسميين الروس مختلفة بعض الشيء ، هم أعربوا لمندوبي آسيا وأفريقيا عن تفهمهم لمشاعر القلق وتعاطفهم مع نبرة الشكوى التي تحدثوا بها كما أكدوا بأن روسيا اليوم ستعمل على تنشيط دورها وزيادة حيويته في آسيا وأفريقيا وما انعقاد المنتدى إلا رسالة في هذا الاتجاه لكن في الوقت نفسه أوضحوا بأن التعاون الروسي الآسيوي الأفريقي يجب أن يقوم على قواعد جديدة جوهرها الإدراك الكامل والتفهم العميق بأن العلاقة يجب أن تكون لمصلحة الطرفين وليس لمصلحة طرف وعلى حساب طرف آخر.

فإمكانيات روسيا اليوم هي أقل من إمكانيات الاتحاد السوفييتي في الماضي كما أن قدرات الغرب اليوم هي أكبر من قدراته في الماضي فالعلاقات بين الدول هي لقاء مصالح قبل أن تكون عناق مشاعر. لروسيا إمكانياتها ولها مصالحها وكذلك لدول آسيا وأفريقيا إمكانيات كبيرة ولها مصالح عديدة أيضا والمطلوب هو توظيف عقلاني لتلك الإمكانيات لخدمة مصالح الطرفين ذلك هو الطريق الفعال لتعزيز التعاون وتطوير مجالاته وتعديل موازين القوى السائدة حاليا على السياحة العالمية.

أرى أن روسيا واقعية فيما تشعر ومحقة فيما تطالب فروسيا اليوم غير روسيا السوفييتية بالأمس وأن النمط السوفييتي بالتعامل مع آسيا وأفريقيا قد زال بزوال العصر السوفييتي.

روسيا اليوم غير قادرة وأغلب الظن غير راغبة في أن تكون جمعية خيرية تعطي بلا مقابل وتقرض بلا حساب.

فهل تدرك دول وشعوب آسيا وأفريقيا ذلك ؟  وإذا أدركته هل ستعترف لروسيا الصديقة بأحقيته ومشروعيته؟!.

 

الدكتور محمد توفيق سماق