تحريك أسعار الفائدة ” تردد في القرار واهتزاز في المصداقية ” ــ المقال رقم /87/

صحيفة تشرين – دمشق – سورية

العدد : 8831   تاريخ 8/1/2004

خلال الأيام القليلة الماضية بادر مجلس النقد والتسليف المسؤول عن إدارة السياسة النقدية في سورية إلى خفض ورفع أسعار الفائدة على إيداع وإقراض الليرة السورية أكثر من مرة على النحو الآتي :

 

القرار قبل أيام

القرار بتاريخ 6/1/2004

حسابات التوفير 4% 5%

الودائع لأقل من سنة

5% 5ر5%
الودائع لأكثر من سنة 6% 6%
سقف الإيداع 2مليون ل0س تم إلغاء سقف الإيداع

المبرر لهذه الإجراءات هو استخدام سعر الفائدة كأداة لحفز وتيرة النمو الاقتصادي كما نقل إلينا من خلال وسائل الإعلام . فإلى أي مدى وفق المجلس فيما هدف  إليه ؟

من الناحية النظرية يعتبر سعر الفائدة أحد الأدوات المؤثرة في النمو الاقتصادي . فأسعار فائدة رخيصة يعني كلف إقراض وبالتالي كلف استثمار أقل مما قد يشجع ضمن مناخ ملائم للاستثمار على توجه الفوائض المالية إلى سوق الاستثمار بدلاً من تراكم المدخرات في المصارف . هذا ما تلجأ إليه أحياناً بعض الدول الصناعية في حالات الركود الاقتصادي كما حصل ويحصل في أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي التي يحركها المصرف المركزي الأمريكي ( أو الاحتياطي الفيدرالي كما يسمى ) بمعدلات طفيفة ومتدرجة كلما وجد ضرورة لذلك من خلال متابعته لمعدلات نمو الاقتصاد الأمريكي والتي يقوم بها بشكل  دوري كل ثلاثة أشهر . أما من الناحية العملية فلا بد من دراسة الظروف المحيطة بسوق الاستثمار في الدولة المعنية قبل اتخاذ قرار بشأن تحريك سعرالفائدة زيادة أو نقصاناً تجنباً لأثر غير مطلوب أو دفعاً لخطأ غير مقصود . بالنسبة للسوق السورية يمكن تسجيل الوقائع التالية :

  • راوحت نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الجمالي في السنوات الأخيرة بحدود 18% ، كما أن معدلات الادخار في تلك السنوات كانت أعلى من معدلات الاستثمار حيث بلغت الفجوة بين المعدلين ( الادخار والاستثمار ) بين 6و8% . يصعب تفسير تلك الفجوة بارتفاع أسعار الفائدة على الليرة السورية ، ففي عام 1985 على سبيل المثال كانت أسعار الفائدة مرتفعة نسبياً على الإيداع (8%) وعلى الإقراض (9%) ومع ذلك بلغت نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 33% . بالإضافة إلى ذلك يجد المتابع للتدفقات الاستثمارية الخارجية إلى السوق السورية ، وهي غير مرتبطة بسعر الفائدة على الليرة السورية أن حجمها ضئيل مقارنة بدول المنطقة فخلال الفترة (1990-1998) بلغ إجمالي التدفقات الاستثمارية المباشرة من دول الاتحاد الأوروبي إلى منطقة المتوسط نحو 24 مليار دولار أمريكي كانت حصة سورية منها 5ر1% ، بينما بلغت حصة مصر  5ر8 % ، وتونس 6ر11% ، وتركيا 28% .
  • من ذلك – وغيره – يمكن الاستنتاج بأن انخفاض معدلات الاستثمار والنمو الاقتصادي في سورية لايعود لارتفاع سعر الفائدة لكنها لأسباب أخرى عديدة تتعلق بالتوجهات والسياسات والتشريعات والبنى المؤسساتية …. وغيرها مما جرى الحديث عنها أكثر من مرة ووضع ( منذ عام 2001 وحتى 2003 ) ثلاثة برامج إصلاح اقتصادي متتالية لمعالجتها والتعامل معها ، لكن مع الأسف لم يطبق أياً منها حتى تاريخه ؟ وبلغة اقتصادية يمكننا القول بأن انخفاض تلك المعدلات         ( نمو واستثمار ) يعود لقصور الطاقة الاستيعابية للاقتصاد الوطني أو قصور السياسات الاقتصادية أو لكليهما معاً وهو الأرجح .

وفي هذا السياق أجد من المفيد التذكير بأن ظروف الأزمات الاقتصادية تستدعي أحياناً رفع سعر الفائدة وليس خفضه . ففي مصر على سبيل المثال التي تعاني أيضاً من مشاكل اقتصادية متعددة بلغ في العام الماضي متوسط سعر الفائدة على الجنيه المصري للودائع القصيرة والمتوسطة الأجل نحو 9% وعلى الودائع الطويلة الأجل (10%)  سنوياً .

  • تأسيساً على ماسبق يمكن القول بأن تخفيض سعر الفائدة على الليرة السورية لن يؤد القصد منه وهو حفز النمو بل أنه – أغلب الظن – سيؤدي إلى :
  • تحول المدخرين من الإيداع في المصارف إلى الاستثمار في سوق العقارات (مباني وأراضي ) مما سيزيد من ارتفاع أسعارها المرتفعة بالأصل .
  • هروب المدخرين إلى العملات الصعبة والمعادن الثمينة مثل ( الدولار – واليورو – والذهب ) للحفاظ على قيمة مدخراتهم مما سيؤدي إلى انخفاض سعر صرف الليرة تجاه العملات الأخرى ويخلق ضغوطاً تضخمية يعاني منها المجتمع وخاصة الجزء الأفقر منه .

أخيراً ربما كان الأكثر أهمية من كل ما جرى الحديث عنه التوضيح بأن الآلية المترددة التي جرى من خلالها خفض ومن ثم رفع أسعار الفائدة خلال أيام قليلة توحي بعدم الثقة في سلامة القرار نفسه وتؤدي إلى اهتزاز مصداقية نهجنا الاقتصادي 000مما يجعل من اقتصادنا الخاسر الأكبر وليس الرابح المنتظر … كما أعلن .

 

                                                     الدكتور  محمد توفيق سماق