روزفلت وكلينتون وأمريكا ـــ المقال رقم /56/

مجلة  الشهر – باريس – فرنسا

السنة السادسة

العدد : 64 تاريخ 1998 /10 / 1

يقال إن قاعة الخرائط التي أدلى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بشهادته في قضية مونيكا لوينسكي داخلها عبر دارة تلفزيونية مغلقة مرتبطة بإحدى قاعات مبنى محكمة قضائية في واشنطن هي القاعة نفسها التي كان الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت ” رئيس الولايات المتحدة خلال الفترة 1933-1945 ” يتابع فيها تطورات المعارك خلال الحرب العالمية الثانية.

لم يكن هناك شهود على ما كان يدور في القاعة زمن روزفلت ، أما الرئيس كلينتون فقد اعترف بإقامة علاقة غير لائقة مع المتدربة السابقة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي ، وعلى الرغم من عدم وجود شهود أحياء على الحالة الأولى ” حالة روزفلت ” إنما يمكن للمرء أن يتخيل حجم المفارقة بين المشهدين . أغلب الظن أن جدران قاعة الخرائط أيام روزفلت كانت تردد صدى أسماء كبيرة عرفها تاريخ البشرية في عصر الحرب العالمية الثانية وما بعده . فهي على الأرجح كانت في عام 1942 تردد اسم مونتغمري وهو يهزم ” رومل ” ويحرق انتصاراته على رمال الصحراء الليبية اللاهبة ، وعلى الأرجح أيضاً فإن جدران تلك القاعة تختزن وباحترام اسم الجنرال أيزنهاور منذ عام 1944 وهو يقود إنزال الحلفاء في النورماندي. وأغلب الظن كذلك أن خرائط قاعة الخرائط كانت تنبسط باحترام أمام الرئيس روزفلت ” وترومان من بعده ” وهما يتابعان انتصارات المارشال جوكوف عام 1945 على أبواب برلين والتي انتهت برفع العلم السوفياتي على مبنى الرايخ ستاغ وهو المبنى الذي ضم مقر هتلر ومقر البرلمان.

تلك الأسماء وعلى اختلاف انتماءاتها ومذاهبها هي التي صنعت انتصارات الحرب الكونية الثانية ، أي الانتصارات التي أسست لأمجاد أمريكا اليوم وهي تنفرد على قمة العالم زعيمة وحيدة بلا منازع حتى الآن، ربما كان ذلك بعضاً مما شهدته قاعة الخرائط في عصر الحرب . أما في عصر لوينسكي فلا شك بأن القاعة نفسها عاشت مشهداً مختلفاً تماماً ، هنا يمكن أن يتوقع المرء بأن جدران القاعة ومقاعدها الأثرية الوثيرة ذات اللون الأرجواني ” كما بدت على شاشات التلفزيون ” كانت تهتز سخرية وهي تحاول اختزان أسماء مونيكا لوينسكي وجينفر فلاورز وبولا جونز وغيرهن من عشيقات الرئيس إلى جانب أسماء مونتغمري وأيزنهاور وجوكوف.

المفارقة تعكس شيئاً من الميلودراما ، ميلودراما أمريكية الصناعة عديدة التداعيات ” أخلاقية ، قانونية ، سياسية ” وتداعياتها القانونية والسياسية لا تخلو من صبغة عالمية .

  • فمن الناحية القانونية : القانون الأمريكي لا يعترض على أي علاقة خاصة لمواطن حتى ولو كان رئيساً ، فنمط الحياة في الغرب يعترف بشيوع تلك العلاقات ولا يعترض على مشروعيتها ، المحققون والمحلفون في قضية لوينسكي يحاولون الإجابة عن سؤال واحد :

هل كان الرئيس غير صادق وهو تحت القسم في نفيه لعلاقته مع مونيكا لوينسكي ؟

إذا كان ذلك ألا تهتز مصداقيته وهو صاحب الموقع الأعلى المعني بحماية الدستور وضمان الانصياع للقانون ؟

ومن الناحية السياسية : بصرف النظر عما ستنتهي إليه الميلودراما الأمريكية الراهنة فأبعادها السياسية لا يمكن تجاهلها وهي تقريباً محصورة في خيارين : استمرار الرئيس أو عزله؟

استمرار الرئيس كلينتون وهي حالة مرجحة سيكون استمرار العاجز الضعيف المشتبه بمصداقيته مما سوف يحد من قدرته على اتخاذ القرارات المهمة.

وعزل الرئيس سيعني تولي نائبه آل غور منصب الرئاسة كما حصل بعد فضيحة ووترغيت عندما تخلى الرئيس الأسبق نيكسون في ” 9-8-1974″ عن الرئاسة لنائبه فورد الذي أصدر عفواً عنه – بموافقة الكونغرس – جنب الرئيس نيكسون المحاكمة . حالة كهذه ستعني أيضاً إدارة ضعيفة تنتظر موعد الانتخابات القادمة محاولة كسب رضا قوى الضغط ” ومنها قوى الضغط الصهيونية ” ومراكز النفوذ في أمريكا ” ومنها إيباك ” أي لجنة الشؤون الخارجية الإسرائيلية الأمريكية ، فالإدارة الأمريكية إذاً في أزمة .

بصرف النظر عما يمكن أن يقال هنا من خلفيات لهذه الأزمة واستغلال للأحداث فيها وتوظيف سياسي لها خدمة لهذا الطرف أو ذاك من خصوم يريدون التشفي أو أصدقاء ” كإسرائيل” يبغون الابتزاز . فإن ما جرى ويمكن أن يجري يحمل في طياته إعلاناً أمريكياً للعالم بأن المجتمع الأمريكي لا يزال يصر على أن تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم في أمريكا مضبوطة بنصوص القانون وليس بقوة الموقع ، فالرأي الغالب – على ما يبدو – هنالك فيما يخص العلاقات   داخل المجتمع الأمريكي قابل للتخليص بالآتي : طالما كان الحق فوق القوة فيجب أن يكون القانون فوق الموقع.

لا شك بأن الكثير من المقهورين في هذا العالم يرغبون ويتمنون أن تنسحب هذه المقولة على علاقة أمريكا بالآخرين خارجها ، لكن يبدو أن العدالة الأمريكية هي للأمريكيين فقط وليس لغيرهم.

مع ذلك سيبقى الحوار الأبدي بين الحق والقوة مستمراً ، والاجتهادات متعددة ، وقد تكون متباينة بحسب تباين مذاهب البشر ومصالحهم ، فالعلاقة بين الطرفين ” الحق والقوة ” موضوع إنساني وليس اختصاصاً أمريكياً فقط.

 

 

الدكتور محمد توفيق سماق