على دعاة السوق الحر أن يراجعوا دعواهم فالواقع يفرض نفسه د. سماق: الأزمة المالية الحالية أزمة نظام.. ــ المقال رقم /127/

صحيفة النور ( صحيفة الحزب الشيوعي السوري ) – دمشق – سورية

العدد : 363 تاريخ 29/10/2008

قبل اندلاع هذه الأزمة المالية لم يكن المفكرون والباحثون الاقتصاديون وحتى السياسيون يتحدثون كثيرا عن دور الدولة  وربما تركوا  للاقتصاديين الانكليزيين:  آدم سميث من (يد خفية ) أو لجون ماينرد  كينز من (حفر بئر وردمها ) ،وقالوا يجب أن نتركها جانبا وندع السوق يحقق واجبه وهو الربح. لكن الإعصار المالي أعاد إلى الواجهة من جديد ضرورة وجود الدولة. لكن وفق مقتضيات العدالة الاجتماعية.

الأزمة المالية الحالية:  أسبابها ومفاعيلها وتأثيرها على اقتصادنا محور حوارنا مع الباحث الاقتصادي الدكتور محمد توفيق سماق :

أزمة نظام ..

بين د.سماق أن الأزمة المالية لها مناسبة ولها سبب فأما مناسبتها فبدأت بأزمة الرهن العقاري وبعدها إفلاس مصرف ليمان براذرز ، ومن خلال أسبابها الفنية التي تحدد بأزمة الرهن العقاري وعدم الحيطة في الإقراض ،وتخفيض معدلات الفائدة في أمريكا إلى مستويات متدنية جدا ، وإغراق الأسواق المالية بالسيولة والجشع والطمع والاحتيال من قبل، مصارف الإقراض العقاري ، ومصارف الاستثمار ، وشركات وساطة الأوراق المالية الكبيرة.

أزمة

أما سبب الأزمة المالية فيكمن في طبيعة النظام الرأسمالي نفسه إذ تركزت في دول الرأسمالية العالمية ،فضلا عن أن هذا النظام ينتج الأزمات بشكل دوري. فمن الحرب العالمية الثانية إلى أزمة عام 1971،عندما فك ارتباط الدولار بالذهب،إلى أزمة 1997-1998 في دول جنوب شرق آسيا،وصولاً إلى أزمة 2008.التي تتلخص بقول ميلتون فريدمان أبرز اقتصادي  أمريكي في القرن العشرين ( لا هدف لرجال البزنس إلا تحقيق الربح).

إنقاذ ما يمكن إنقاذه..

وأوضح د.سماق أن ما يحدث في الدول الرأسمالية المتضررة بفعل الأزمة الحالية بشكل خاص وما يعقد في دول العالم بشكل عام من مؤتمرات وندوات ويتخذ من قرارات هو محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فهي معنية بإيجاد الحلول للأزمة وتخفيف آثارها من ركود عالمي وانخفاض في أسعار النفط.

اقتصادنا لم يتأثر..

وعن مدى تأثر اقتصادنا بالأزمة المالية أجاب : لا يكاد يذكر هذا الأثر على القطاعات النقدية والمالية والمصرفية بشكل مباشر ولا على مستوى الدولة .أما على مستوى الأفراد ورجال الأعمال والمستثمرين فيصعب الحكم،إذ لا يوجد إحصاءات دقيقة وبيانات واضحة تحدد حجم الاستثمار ، فرجال الأعمال لدينا غامضون.

لكن هناك آثارا غير مباشرة على الاقتصاد:

  1. دخول الاقتصاد في مرحلة ركود.
  2. ضعف الصادرات السورية النفطية ، وفي الوقت ذاته تراجع في فاتورة الاستيراد .
  3. انخفاض في تحويلات المغتربين والتدفقات الاستثمارية السورية.
  4. انخفاض سعر النفط.
  5. البطالة.

مدى تأثر القطاع العام

نبه د.سماق أيضا إلى مدى تأثر القطاع العام الذي بات يشكل حاليا 35% فقط من الناتج المحلي ، ويتوقع أن ينحسر بنهاية هذا العام إلى 32% من الناتج الإجمالي.

ومن حيث العمالة ( اليد العاملة)  27% في القطاع العام فقط،فمعظم الجهود مركزة على القطاع المصرفي والمالي ، لكن إذا طالت فترة الأزمة واستمرت فالقطاع العام أيضا معني بإيجاد الحلول والوسائل لتجاوزها ، فالواقع يفرض نفسه.

اقتصاد السوق الاجتماعي..

وفي ظل تحولنا إلى اقتصاد السوق الاجتماعي ومواجهتنا للأزمة المالية الحالية ماذا نريد?

أوضح د.سماق أن الاقتصاد الاجتماعي ليس عفوية وارتجال بل اعتمد بعد دراسة معمقة ومستفيضة استمرت فترة طويلة من الزمن.

فاقتصاد السوق الاجتماعي يعني : من السوق بقدر الممكن،ومن الدولة بقدر الضرورة .بمعنى دع قوى السوق تعمل بقدر ما تستطيع           ( العرض والطلب ) وعلى الدولة التدخل في اللحظة التي تفرضها مقتضيات العدالة . هذا ما أقره  المؤتمر القطري  العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي ،  لنوجه رسالة إلى العالم أننا ما زلنا ملتزمين بمصالح الشرائح الأضعف في المجتمع على الرغم من تحولنا المقبل. فالسوق بدون دولة يتحول إلى غابة ، تصبح فيه فرص الحياة الكريمة التعليم والصحة من حق الغني ، والفقر والجهل والمرض من حق الفقير ،لذلك لا بد من دور الدولة لتوفر العدالة الاجتماعية .لذلك قيدنا السوق اجتماعيا ليصبح اقتصاد السوق الاتماعي.

الدروس والعبر

على الصعيد العالمي..

  1. سياسيا: لن تؤدي الأزمة إلى تفكك الدولة الأمريكية وانهيار الرأسمالية العالمية، وعلينا أن نعلم جيدا أن أمريكا قبل الأزمة ليست أمريكا بعد الأزمة ، فالمشكلات ستتفاقم وقدرة اقتصادها ستتضاءل ،ودورها السياسي كذلك، فتصبح بذل أقل قدرة على ممارسة العدوان ونصبح أقل قلقا، إضافة إلى بروز وتعزيز دور الاتحاد الأوربي وروسيا كأقطاب على المستوى العالمي.
  2. عسكريا: الموارد الأمريكية غير قادرة على تمويل مغامرات جديدة على غرار العراق وأفغانستان،فمديوينة  الولايات المتحدة الأمريكية 11 تريلون دولار،والناتج المحلي 14تريلونيا،وبحسبة بسيطة فإن حجم الدين العام على الناتج العام يشكل 79% وهي من أعلى النسب في العالم.
  3. أيديولوجيا ً : صعوبة  تسويق أيديولوجيا السوق الحر بعد هذه الأزمة ونتيجة آثارها على الواقع، وخاصة لدى أعوان وزبائن أمريكا في المنطقة وخارجها. وعلى الأخص بعد أن تدخلت في السوق خلافا لهذه الأيديولوجية.

 

 

عبرة .. يفرضها الواقع

الآثار على اقتصادنا تتعلق بمدة الأزمة الحالية من جانب ، ومدى قدرة الاقتصاد العالمي على تجاوزها من جانب آخر.

لكن أرجو من إخواننا دعاة الليبرالية الجديدة والسوق الحرة المفتوحة غير المقيدة، العاملين بلا كلل ولا ملل على دفع الدولة للتخلي عن دورها في الحياة  الاقتصادية ،أن يدرسوا الأزمة بعمق من خلال قراءتهم للواقع ، ويراجعوا تلك المقولات التي دأبوا على تسويقها، علهم يخففون من غلوهم وتطرفهم. بذلك نحقق هدفا هاما وضروريا في تغيير تفكير أصحاب هذا النهج .أما إذا لم يغيروا أرى أن نكون أقل تجاوبا مع ما يريدون الوصول إليه ، فالواقع فرض نفسه من جديد.

نقطة..

في حوارنا مع د. محمد توفيق سماق دافع مراراً وتكراراً عن دور الدولة في الحياة الاقتصادية ضبطاً ومراقبةً وتنظيماً وفق مقتضيات العدالة  . فتقوم ب(فلترة ) وحشية الرأسمالية وطمعها وجشعها ، والحق يقال أن هجران دور الدولة ، وترك السوق يضبط نفسه بنفسه أمر لم يعد العقل يقبله ، فما حدث من تجارب وما قدم من دروس يغني كل لبيب.

 

حوار : أيمن أنيس