قراءة اقتصادية لإعلان برشلونة ــ المقال رقم /35/

صحيفة الثورة – دمشق- سورية

العدد :9874 – تاريخ 9/12/1995

 

تضمن الإعلان الختامي الصادر عن مؤتمر برشلونة  ٢٧-١٩٩٥/١١/٢٨   و المؤلف من ٢٨ صفحة قسماً خاصاً بالتعاون الاقتصادي آفاقه و آلياته بين دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة شمال المتوسط و بين ١١ دولة من جنوب المتوسط و شرقه بالإضافة إلى السلطة الفلسطينية . من أبرز ما ورد في القسم الاقتصادي لإعلان برشلونة الاتفاق على إنشاء منطقة تجارية حرة لتبادل السلع الصناعية بين دول الشراكة المتوسطية أي دول النادي المتوسطي الموقعة على الإعلان بالإضافة إلى تأكيد عزم هذه الدول على المضي قدماً في تحرير تجارة السلع الزراعية و التحرك سريعاً باتجاه اقتصاد السوق مع العمل على تشجيع الاستثمار الخاص  و الالتزام بتوفير الشروط الملائمة لذلك و بالمقابل التزمت دول الاتحاد الأوروبي بتقديم ٦ مليارات دولار كمساعدة على مدى خمس السنوات القادمة لدول الشراكة  المتوسطية الأخرى .

يتضح مما سبق بأن تحرير التجارة في منطقة المتوسط سيبدأ بتحرير تجارة السلع الصناعية على أن يستكمل ذلك مع نهاية عام ٢٠١٠ أي بعد نحو خمسة عشر عاماً من الآن وفق نصوص الإعلان .

لاشك بأن هذا الجزء من الإعلان يستدعي عدداً من التساؤلات الهامة ،  من أبرزها :

ما هي آليات عمل المنطقة التجارية الحرة التي عقد مؤتمر برشلونة العزم على إنشائها ؟ و ما هي   أهميتها ؟

ما هي سماتها المميزة ؟

ما هي ضروراتها ؟

ما أثرها على الصناعة في الدول العربية جنوب المتوسط و شرقه ؟

في الإجابة على السؤال الأول نستطيع القول بأن هذا الإعلان سيعني في حال تنفيذه خلق سوق كبيرة يتم فيها تبادل السلع الصناعية في مختلف الاتجاهات شرقاً و غرباً جنوباً و شمالاً محررة من كافة الحواجز     و القيود جمركية و غير جمركية « منع – حصر – تقييد – و ما شابه » .

و طبيعي في هذه الحال القول بأن حجم التبادل و سرعته سيتحددان وفق قوانين السوق من عرض و طلب كما أن القدرة التنافسية لكل طرف ستكون العامل الأساسي في تحديد حصته من السوق و حجم المنافع التي سيجنيها و المكاسب التي سيحققها.  أما حجم السوق المنتظرة فستكون وفق المعطيات الراهنة مؤلفة من نحو ٥٦٢ مليون مستهلك « ٣٦٢ مليون في الشمال و نحو ٢٠٠ مليون في جنوب و شرق المتوسط » بدخل إجمالي يقدر حالياً بنحو ٧٤٠٠ مليار دولار « بلغ الناتج المحلي الإجمالي في دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة عام ١٩٩٤ نحو ٧٠٠٠ مليار دولار » أي أن السوق المزمع إقامتها تضم حالياً نحو   9,5 ٪ من سكان العالم يبلغ نصيبهم نحو 27,4 ٪ من الدخل العالمي و بذلك يمكن اعتبارها من أهم و أكبر الأسواق في العالم من حيث عدد المستهلكين و القدرة على الاستهلاك .

 من أبرز السمات المميزة للسوق المقترحة :

  • أ‌- التفاوت الكبير في مستويات التطور و الدخل ، فالاتحاد الأوروبي يعتبر حالياً و بحق أحد أهم أركان مثلث القوة و الغنى في العالم  « الولايات المتحدة الأمريكية – الاتحاد الأوروبي و اليابان » فدول الاتحاد الخمس عشرة تضم حالياً نحو ٦ ٪ من سكان العالم يبلغ نصيبهم نحو ٢٦٪ من الدخل العالمي « بوسطي سنوي لدخل الفرد يقدر بحوالي ٢٠٠٠٠ دولار »

بينما يبلغ عدد سكان الدول الأخرى الموقعة على إعلان برشلونة  في جنوب و شرق المتوسط نحو ٢٠٠ مليون نسمة « 3,4 ٪  من سكان العالم » لا يتعدى نصيبهم 1,4 ٪ من الدخل العالمي  « بوسطي سنوي لدخل الفرد يقدر بحوالي ٢٠٠٠ دولار» . أي أن دخل الفرد في شمال المتوسط يبلغ حالياً عشرة أضعاف دخل الفرد في دول الجنوب و الشرق . بالإضافة إلى ما سبق يلاحظ من تتبع الإحصائيات المتعلقة بالصناعة العالمية أنه من بين العشرين شركة صناعية الأولى في العالم كان هنالك في عام ١٩٩٢ ثماني شركات تعتبر وفق المقاييس الدولية من شركات دول الاتحاد الأوروبي  و هي :

  • شل ألمانيا و بريطانيا
  • إيري إيطاليا
  • دايملربنز ألمانيا
  • بريتشن بتروليم بريطانيا
  • فولكس فاكن ألمانيا
  • سيمنس ألمانيا
  • فيات إيطاليا
  • أوني ليفر صناعات غذائية بريطانيا و هولندا

بلغ إجمالي مبيعات هذه الشركات الثماني في عام ١٩٩٢ حوالي ٤٩٤ مليار دولار أي ما يزيد عن حجم الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية في عام ١٩٩١ « بما في ذلك النفط » بـ / ٧٤ / مليار دولار و يزيد عن حجم الناتج الإجمالي في الدول الاثنتي عشرة الأخرى الموقعة على إعلان برشلونة بنحو ٩٤ مليار دولار عام ١٩٩٤ .

ب – المفارقات الهائلة بين أطراف الشراكة، فدولة كقبرص مثلاً لا يتجاوز تعداد سكانها ٧٠٠ ألف نسمة يصل وسطي دخل الفرد فيها إلى نحو ١٠٠٠٠ دولار سنوياً ، في حين لا يتجاوز دخل الفرد في دولة كمصر يبلغ عدد سكانها ٥٨ مليون نسمة ٨٠٠ دولار سنوياً .

ج – اتحاد أوروبا و اختلاف الآخرين، الدول الأوروبية الخمس عشرة تدخل في الشراكة رافعة لواء الاتحاد الذي من المقرر وفق نصوص معاهدة ماستريخت أن تستكمل آخر حلقاته« أي الاتحاد السياسي و الأمني » مع نهاية عام ١٩٩٩   و مطلع عام ٢٠٠٠. بينما أطراف الشراكة الأخرى بما فيها الدول العربية تعمل جاهدة لتوفير الحد الأدنى من تنسيق المواقف فيما بينها مما يعطي للطرف الأوروبي موقعاً تفاوضياً أفضل و يجعل الطرف العربي عاجزاً عن الاستفادة حتى من الميزة النسبية الطبيعية التي وفرتها له حقائق التاريخ            و الجغرافيا .

د –  التواصل التاريخي و الجغرافي، من السمات المميزة التي يمكن أن تحسب للشراكة المتوسطية و تساعد على تطويرها حقيقة التواصل التاريخي وواقع القرب الجغرافي بين أطرافها.  فللوطن العربي و أوروبا علاقات قديمة و متشعبة على الرغم من اختلاف الثقافات و تباين نمطي الحياة ، و قد شهدت هذه العلاقات مراحل من المد و الانحسار و أحياناً تعارضاً في الإرادات لدرجة الصدام و التناقص و مع ذلك ظلت الاستمرارية كما ظل التطور من السمات المميزة لها . لعل القرب الجغرافي كان من أهم الأسباب لهذا التواصل التاريخي الدائم بين شعوب المتوسط في شماله وجنوبه . فالبحر المتوسط الذي تبلغ مساحته نحو ٢.٦ مليون كم٢ ويبلغ متوسط البعد بين طرفيه الشمالي والجنوبي نحو ٦٠٠ كم فقط والذي يضيق في طرفه الغربي « عند مضيق جبل طارق » ليتقلص الفاصل بين الطرفين إلى ١٤ كم فقط يخلق إمكانية طبيعية قريبة و نموذجية للتواصل بين الشعوب القاطنة على جانبيه وهذا ما يعطي للنادي المتوسطي ميزة نسبية كبيرة مقارنة مثلاً بمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي الذي تفصل بين دوله على الطرفين مسافات شاسعه تبلغ آلاف الكيلومترات .

خلاصة القول هنا بأن جملة الاختلالات والمفارقات والاختلافات التي أشرنا إليها آنفاً تجعل من الحديث عن شراكة متوازنة في حوض المتوسط أمر لا ينسجم وحقائق القوة السائدة على طرفيه حالياً . إلا أن ما يحسب لهذه الشراكة و يعزز من احتمالات تطورها واتساع نطاقها مستقبلاً حقائق التواصل التاريخي بين شعوب المتوسط و وقائع القرب الجغرافي بين طرفيه في الشمال والجنوب ، بالإضافة إلى ذلك فإن قراءة متأنية للواقع العالمي الراهن توحي بأن عوامل الدفع لهذه الشراكة أكثر من عوامل الكبح . أغلب الظن أن هذه الشراكة ضرورة لأطرافها أكثر ماهي رغبة قد تخبو مع مرور الزمن والمسوغات لهذا الاستنتاج عديدة منها : بعد انتهاء الحرب الباردة عمد العديد من أصحاب الرأي المؤثر في الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدعوة لاستمرار أمريكا في دورها القيادي على الصعيد العالمي. بحسب أصحاب هذا الرأي فإن تفكيك الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول التي ارتبطت به لم ينه إلا نصف الحرب و هو النصف المتعلق بهزيمة الشيوعية أما النصف الآخر فيتعلق بسيادة النمط الغربي في الحياة و انتشاره على الصعيد العالمي فهنا لا زالت المعركة قائمة لم تنته وهو ما يسميه ريتشارد نيكسون  « الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية » معركة انتصار    الحرية. إذا كانت أوروبا لا تختلف مع الولايات المتحدة  في ضرورة سيادة النمط الغربي في الحياة و اتساع انتشاره فإن ما يقلقها هو أن تضطر لخوض المعركة تحت لواء أمريكا كما فعلت في السابق أيام الحرب الباردة . فمع مستوى التطور المتقدم الذي بلغته دولها فرادى ومستوى التكامل الذي قطعته على طريق الاتحاد اضحت أوروبا أكثر ثقة بالنفس وأكثر ميلاً للتميز والتحرر  من المظلة الأمريكية و أكثر طموحاً للانتقال من موقع التابع إلى موقع الشريك ولو بشكل تدريجي وربما كانت الشراكة المتوسطية فرصة مناسبة لتأكيد الطموح الأوروبي للتميز . يضاف إلى ذلك أن أوروبا بمقدار ماهي طموحة قلقة ايضاً من النمو السريع والمستمر لليابان ودول جنوب وشرق آسيا الأخرى الحديثة والكثيفة التصنيع التي بدأت تنافسها حتى في الأسواق الأوروبية مستفيدة من مناخ الانفتاح العالمي على الصعيد الاقتصادي وطبيعي أن تحاول أوروبا التخفيف من قلقها بالاتجاه نحو المنطقة الجغرافية الأقرب «منطقة المتوسط » محاولة خلق نوع من الترتيبات الإقليمية الملائمة لها وبما يعزز حضورها ويقوي مواقعها في وجه منافسيها الآخرين من شرق وجنوب آسيا. ربما كان هذا القلق أحد البواعث الحقيقية لما رغب به الأوروبيون و نص عليه إعلان برشلونة من البدء بتحرير السلع الصناعية والانتهاء من ذلك حتى عام 2010 بينما لا نجد في الإعلان هذا الإلحاح مثلاً بالنسبة لقطاعات كالزراعة أو الخدمات أو غيرها . أوروبا تحاول ايضاً التخفيف من حدة بعض المشاكل الأخرى «أمنية، اقتصادية وديموغرافية » التي بدأت تشكو منها منذ فترة والتي تعتبر الطرف الجنوبي للمتوسط أحد مصادرها الرئيسية . أما على الجانب الآخر فمعظم دول المتوسط في الجنوب والشرق أضحت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بزعامة العالم اسيرة الخيارات المحدودة إما التكيف مع إدارة النظام العالمي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية أو الانعزال وربما المواجهة مع إرادة دولية قادرة وفاعلة أي مواجهة يمكن التنبؤ بنتائجها قبل  أن تبدأ.  كما أن معظم دول جنوب المتوسط وشرقه قد أجبرت نتيجة الصراعات التي عاشتها ولازالت تعيشها على تخصيص جزء هام   من مواردها لأغراض دفاعية ومع تطور مستوى حياة شعوبها وتزايد عدد سكانها أضحت متطلبات التنمية امراً ضاغطاً على دوائر القرار فيها مما جعلها تسعى وتحرض على تعويض ما فات من فرص التنمية وفي كلا الحالتين توسيع دائرة الخيارات وتعويض فرص التنمية تجد دول الطرف الآخر على المتوسط في الاتحاد الأوروبي شريكاً محتملاً يمكن الرهان عليه . تأسيساً على ما سبق يمكن اعتبار الشراكة المتوسطية التي حرر مؤتمر برشلونة شهادة ميلادها بالإعلان الصادر عنه قابلة للتلخيص بالتالي : إنها شراكة بين الطموح والقلق والشكوى من ناحية أوروبا وبين الرغبة في توسيع دائرة الخيارات وتعويض فرص التنمية من ناحية دول جنوب المتوسط وشرقه . أياً كانت سرعة تطور الشراكة المتوسطية واتساع نطاقها فإن القسم الاقتصادي لإعلان برشلونة يعطي إشارات واضحة عن أهم محاورها و اتجاهاتها. من نصوص الإعلان يتضح بأن من أولى الساحات التي ستختبر فيها هذه الشراكة اقتصادياً هي ساحة الصناعة فالإعلان واضح فيما يتعلق بتحرير الإتجار بالسلع الصناعية بشكل تدريجي وكامل حتى عام 2010 « نفس الموعد الذي حدد في اتفاق الشراكة لإقامة المنطقة التجارية الحرة بين دول الاتحاد الأوروبي وتونس ويبدو أن هذا التاريخ قد أصبح تقليداً أكده إعلان برشلونة  فيما بعد » . لاشك بأن لذلك أثاراً هامة ينبغي التوقف عندها ويطرح قضايا معقدة ينبغي الاستعداد لها خلال فترة الخمسة عشر عاماً القادمة التي يمكننا اعتبارها فترة ضرورية للتكيف على كلا الجانبين مع الوضع الجديد الناشئ وفي الجزء التالي والأخير سنتناول باختصار بعضاً من هذه القضايا التي يطرحها إعلان برشلونة على قطاعات الصناعة في الدول العربية الموقعة على  الإعلان :

  • الحماية والدعم : تعتبر الحماية والدعم من الوسائل التقليدية المعروفة في الاقتصاد العالمي حيث استخدمتها جميع الدول لتطوير اقتصادياتها وتحسين قدرتها التنافسية مع الآخرين. من مقتضبات التجارة الحرة التي يبشر  بها إعلان برشلونة منع استخدام هاتين الوسيلتين مع تحريض مواز على التنافس بين منتجي السلع الصناعية في دول الاتحاد الأوروبي ومنطقة المتوسط . إن هذا الوضع الجديد الناشئ في منطقة المتوسط وبصرف النظر عن الرأي فيه والموقف منه يحتم على الدول العربية المتوسطية الموقعة على الإعلان التي كانت ولا زالت تعاني من تدني قدرة سلعها الصناعية على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية والتي اعتمدت ولا زالت على الحماية وعلى الدعم كحجر زاوية في رسم سياساتها التنموية إجراء مراجعة شاملة وعميقة لهذه السياسات بهدف زيادة القدرة التنافسية لصناعاتها المتعددة وفي مختلف القطاعات «عام- خاص –مشترك » بدلاً من الرهان على الحماية ووسائلها.  ذلك سيؤدي بالضرورة إلى توجيه عملية التصنيع نحو النشاطات الصناعية التي تملك هذه الدول ميزة نسبية فيها « كالصناعات التقليدية من نسيجية وغذائية و اسمنت » ، حيث تملك دول المتوسط في هذه الأنشطة ميزة توفر جزءاً هاماً من المواد الأولية اللازمة لهذه الصناعات محلياً بالإضافة إلى ميزة أخرى وهي توفر يد عاملة خبيرة نسبياً في تلك المجالات . كذلك من المفيد الإشارة في هذا المجال إلى ضرورة عدم التوسع في الصناعات السريعة التطور «كالصناعات الإلكترونية – صناعات مكونات أجهزة   المعلوماتية » و التي  تتطلب خبرات علمية وتقنية رفيعة المستوى نظراً للقفزات الهائلة والسريعة التي تشهدها هذه الصناعات على الصعيد العالمي حالياً وتجنباً للدخول في منافسة مع منتجين أوروبيين على درجة عالية من الخبرة والعراقة، إذ أن الدخول في منافسة كهذه ضرب من عدم الواقعية من جهة وهدر لموارد التنمية وإمكانياتها من جهة  أخرى .

ب – المستوى العلمي والتكنولوجي : تشير تقديرات اليونيسكو   إلى أن تفاوتاً كبيراً يسود في المستوى العلمي والتكنولوجي بين الدول العربية والعديد من دول العالم ، خاصة المتقدمة صناعياً.  فعدد الباحثين العلميين في المنطقة العربية يقدر بنحو 318 باحثاً لكل مليون شخص وفي مجال البحوث العلمية يستثمر الوطن العربي حوالي 0,75% من ناتجه القومي بينما تبلغ هذه النسبة في العالم الصناعي حوالي 2,9% حالياً. هذه المؤشرات وغيرها توحي بالمستوى المتواضع للعلوم والتكنولوجيا السائد في منطقتنا وتزداد هذه الحالة خطورة إذا أخذ بعين الاعتبار أن العالم يعيش في المرحلة الثالثة للثورة العلمية التكنولوجية هذه الوقائع تستدعي من دوائر القرار العربية العمل على تطوير المستوى العلمي والتكنولوجي لاقتصاديات المنطقة عن طريقين :

  • مطالبة الشريك الأوروبي بتسهيل نقل التكنولوجيا وتخفيض كلف امتلاكها.
  • العمل الحثيث والمستمر على زيادة الترابط بين نشاطي البحث العلمي والإنتاج الصناعي وتوفير الظروف والوسائل اللازمة لذلك.

جـ- الموارد البشرية: لازال نزيف الهجرة يذهب بعدد لا يستهان به من الخبرات والكفاءات الوطنية العلمية والفنية التي لا يمكن تعويضها بسرعة، مما ينعكس بشكل سلبي على مجمل عملية التنمية في البلدان العربية. وما يستحق التنبيه في هذا المجال أن يكون المناخ الذي ستخلقه الشراكة المتوسطية عامل جذب إضافي للكفاءات العربية باتجاه الشمال مما يستدعي من دوائر القرار العربية التنبه لأهمية هذه المشكلة وأثرها في زيادة خلل التوازن الاقتصادي القائم على طرفي المتوسط، ذلك يقتضي ضرورة العمل على تخفيف حدة هذه المشكلة عن طريق توفير فرص عمل مناسبة وتحسين مستوى أجور هذه الكوادر والكفاءات مع تطور مرافق للظروف الملائمة للاستفادة من   طاقاتها وتنميتها .

إن البدء بإظهار الاهتمام الجدي بهذه القضايا وما شابهها ذات الصلة بتحسين القدرة التنافسية لاقتصاديات الدول العربية المتوسطية قد أضحى مع مناخ الانفتاح السائد في الاقتصاد العالمي ومع إعلان برشلونة أمراً لا يحتمل المزيد من التأجيل. ففترة الخمسة عشر عاماً القادمة ليست طويلة كما تبدو للوهلة الأولى لإنجاز عملية تكيف الاقتصاديات العربية مع الوضع الجديد الناشئ في منطقة المتوسط . فليكن ما نتج عن مؤتمر برشلونه دافعاً للاقتصاديات العربية لتحسين قدرتها على المنافسة ومشجعاً لها لتعلم وسائلها وفنونها وحافزاً لدوائر القرار العربية للعمل على توفير مستلزمات ذلك .

جملة القول ، إن من معاني إعلان برشلونة التحريض على التنافس فهل سنستجيب لذلك ؟ وكيف ؟

 

الدكتور محمد توفيق سماق