لغز الإصلاح ماذا حققنا… وإلى أين وصلنا؟ ــ المقال رقم /80/

صحيفة الاقتصادية – دمشق  – سورية  

العدد :46  تاريخ 19/5/2002   

كلنا يقول بأنه راغب في إصلاح حياتنا الاقتصادية وبعضنا يتحدث  عن جهوده في رسم الخطط و تصميم المشاريع للإصلاح المرغوب و وسائل الإعلام تنشر و تعلم عن إجراءات و تعليمات و تفتح المجال لعرض الآراء  و حوارها حول الإصلاح ، لاشك بأن ذلك كله جهد يستحق التشجيع  و يستحق التقدير و لكن في الوقت نفسه يستحق التفكير و يستدعي   التساؤل : ماذا حققنا ؟ وإلى أين وصلنا ؟ والبيانات تشير إلى الآتي :

١- الأداء الاقتصادي

في عام ٢٠٠٠ لم يتجاوز النمو الاقتصادي في سورية 0,6% مقارنة  بعام ١٩٩٩، حسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء ، و ٠٪ حسب تقديرات هيئة تخطيط الدولة ، في عام ٢٠٠١ فإن أكثر التقديرات الرسمية تفاؤلاً تتحدث عن نمو اقتصادي بلغ 2,8%  ” مقارنة بعام ٢٠٠٠” .   أما المؤسسة العربية لضمان الاستثمار فتقول بأن سورية قد حققت   في عام ٢٠٠١ معدل نمو لايتجاوز ٢٪ وبذلك تحتل المرتبة الأخيرة بالنسبة للنمو الاقتصادي بين ١٧ دولة عربية شملتها دراسة هذه المؤسسة      ( البيانات السابقة بالأسعار الثابتة ) . إذا لاحظنا بأن معدل النمو السكاني   في البلاد حالياً هو بحدود ٢،٧٪ سنوياً فذلك يعني أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي قد تراجع في عام ٢٠٠٠ بمعدل – 2,1% حسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء ” أو بمعدل- 2,7% ” وفق تقديرات هيئة تخطيط الدولة ، أما في عام ٢٠٠١ فإن هذا المعدل لم يسجل تقريباً أي نمو وفق أكثر التقديرات الرسمية تفاؤلاً !

٢- البطالة

هنا تتضارب الأرقام بين ٤٢٠٠٠٠ عاطل عن العمل حسب البيانات الرسمية لتصل إلى نحو ٨٠٠٠٠٠ وفق تقديرات أخرى . الأهم من ذلك هو ما تظهره الأرقام من تراجع حصة الدولة و القطاع العام من سوق العمل بالرغم من الحديث المتكرر في الموازنات السنوية للدولة عن توفير فرص عمل تتراوح بين ٧٠٠٠٠ إلى ٨٥٠٠٠ فرصة عمل سنوياً . و بالرغم من الحديث المسهب عن برنامج مكافحة البطالة ، ففي أوائل التسعينات كان يعمل لدى الدولة و القطاع العام نحو ٤٢٪ من قوة العمل في البلاد     و قد انخفضت هذه النسبة حالياً إلى حوالي ٢٦٪ .

٣- المديونية الخارجية الرسمية

تشير البيانات إلى أن المديونية الخارجية الرسمية لسورية قد بلغت 18,3 مليار دولار أمريكي تشكل نسبة 1,4% ، من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، بينما بلغت مديونية مصر ٢٩ مليار دولار شكلت ٣٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي ( بيانات عام ١٩٩٩ ) . أما بالنسبة لعامي ٢٠٠٠ و٢٠٠١ فلا أجد ما يحمل على الاعتقاد بأن هنالك تحسناً ملحوظاً للوضع ، إذ إن مؤشرات أدائنا الاقتصادي للعامين المذكورين و التي استعرضناها فيما سبق توحي بذلك دون عناء . وإذا أردنا أن نتحدث بتفصيل أكثر نجد أن القطاع العام    في سورية مازال تلك الماكينة الضخمة البطيئة الحركة المحدودة الفاعلية، فطاقاته المستغلة في تناقص و مخازينه في ازدياد وخسائره لم تتراجع ، كما نجد أن القطاع الخاص السوري مازال ذلك المستورد النشط والمصدر العاجز. أليس فيما سبق عناوين قضايا تنتظر المعالجة دون تأجيل ومؤشرات أزمة تتطلب الحل دون إبطاء ؟ .

هل تستقيم تلك النتائج مع إرادتنا للإصلاح؟.

ربّ معترض يقول بأن إصلاح ما أفسدته الحياة فينا أو أفسدناه في حياتنا يتطلب وقتاً للمعالجة و زمناً لقطف الثمار ، منطق كهذا يمكن قبوله  و الموافقة عليه لو أن اتجاه الحركة إلى الأمام . أي لو استطعنا احتواء المشكلة أو أجزاء منها حالياً مما يؤسس لمعالجتها أو لإزالتها لاحقاً .

أما أن يكون اتجاه الحركة بخلاف ذلك فإن المنطق السابق قد يوقعنا  في محظور تبرير ما يجب ألا يبرر ، وأقول ” محظور” لأن تجارب الحياة تؤكد بأن اعتماد منطق التبرير اقترن بالقصور عن إدراك الواقع وقاد    إلى إدمان العجز عن الإحساس به و التعامل مع معطياته و هذا بلا شك ما لا نسعى إليه أو نرضى به . إذاً و بعيداً عن منطق التبرير ولغته ، واقع حالنا يقول بأن إرادة الإصلاح في بلادنا متوفرة صاغها و عبر عنها الرئيس بشار الأسد منذ اللحظة الأولى في خطاب القسم و محاولات الإصلاح موجودة ، أما النتائج فما زالت سؤالاً يبحث عن إجابة ؟ أليست حالة كهذا مدعاة للاستغراب  شبيهة بالألغاز  باعثة على التفكير بأن هنالك خللاً ما في مكان ما…؟

إذا كان الأمر كذلك ألا تقتضي الضرورة ” الوطنية و السياسة و الاجتماعية” العمل على فك رموز هذا اللغز بالإلحاح على اكتشاف الخلل وتحديد مكانه وتوصيف علاجه؟ أغلب الظن أن هذا هو المطلوب .. فلنأمل بتحقيقه .

 

الدكتور محمد توفيق سماق