مسرح العبث الصحفي ــ المقال رقم /99/

صحيفة الثورة   – دمشق – سورية

العدد:   12657 تاريخ  3/2005/ 16

 

ازدحمت الصحف المحلية في الآونة الأخيرة بجملة لاحصر لها من المصطلحات التي أراد مطلقوها أو مستخدموها أن يوّصفوا هوية الاقتصاد السوري حالياً في مرحلة التحول , أو مستقبل بعد إنجاز تلك المرحلة . من تلك المصطلحات : اقتصاد المعرفة – اقتصاد أكثر دينامية – اقتصاد أكثر انخراطاً في الاقتصاد العالمي – الاقتصاد الجديد – اقتصاد السوق ….. الخ.

إذا ما ا ستثنينا مصطلح اقتصاد السوق كونه مصطلح بسمات معروفة  و مضامين محددة سنتناولها لاحقاً , أغلب الظن أن المصطلحات الأخرى ليست أكثر من ترجمات عربية لمقولات تستخدم من قبلنا في غير سياقها     أو زمانها أو مكانها .

فاقتصاد المعرفة هو إنتاج مجتمع المعرفة ومن أركان هذا المجتمع : إطلاق حرية الرأي و التعبير و التنظيم – نشر التعليم – توطين المعرفة عن طريق البحث العلمي   و التطوير التكنولوجي – إنتاج المعرفة …. فأين مجتمعنا من ذلك كله و كيف لمجتمع لازال يعاني من الأمية التعليمية و الأمية المعرفية إنتاج اقتصاد المعرفة ؟

الهوية وثيقة الجنسية و في الاقتصاد تعبر الهوية عهن سمات تميز الاقتصاد المراد توصيفه عن الأنماط الاقتصادية الأخرى . في اقتصاد السوق على سبيل المثال يمكن الحديث عن سمات محددة أبرزها : حرية الاستثمار- الحق في الربح مقابل المخاطرة – سعر يحدده العرض و الطلب .أي اقتصاد يقوم في الجوهر على حرية المبادرة الفردية.

بالمقابل كنا نتحدث سابقاً عن سمات تميز الاقتصاد الاشتراكي في العصر السوفيتي منها : الملكية العامة لوسائل الإنتاج – إشباع الحاجات – البعد الاجتماعي للقطاع العام ……. الخ . أي اقتصاد يقوم في الجوهر على ما تسميه الماركسية حل التناقض القائم بين علاقات الإنتاج و قوى الإنتاج , أو بصياغة أخرى حل التناقض القائم بين الطابع الاجتماعي للعمل و الطابع الفردي للربح .

إذا فلكل من المصطلحين السابقين اقتصاد السوق و الاقتصاد الاشتراكي سمات محددة تميز كلتا التشكيلتين , و في السياق نفسه نسأل عن أية هوية يمكن أن تعبر مقولات : اقتصاد جديد , أو اقتصاد أكثر دينامية , أو اقتصاد أكثر انخراطاً في الاقتصاد العالمي .

في كلا النمطين السابقين (اقتصاد السوق و الاقتصاد الاشتراكي) نجد اقتصاديات قديمة و جديدة , كما نجد اقتصاديات دينامية و أخرى أقل دينامية ونجد اقتصاديات على علاقة وثيقة و متشابكة مع الاقتصاد العالمي واقتصاديات أخرى أقل ترابطاً و تشابكاً .

بالمحصلة إن تلك المقولات توصف حالة ولا تعبر عن هوية , كما أن استخدامها في غير سياقها أو زمانها ومكانها يحول خطابنا الاقتصادي إلى صحية بلا صدى و قصيدة بلا جمهور .

مسيرة الإصلاح لدينا تحتاج إلى تعاطف الرأي العام باعتباره قوة الدفع الأساسية لوصول سفينة الإصلاح إلى هدفها . مما يستدعي لغة واضحة تعرض توجهاتنا بدقة    و تحديد على الرأي العام يقبلها البعض ممن تعبر عن مذاهبه و مصالحه , وقد يرفضها بعض آخر يجدها غير معبرة عن مصالحه أو مذاهبه , وهذا حقه .

بخلاف ذلك قد يتحول المشهد الاقتصادي لدينا إلى مسرح انفض عنه جمهوره ليعلو فيه صراخ الممثلين بلغة عبثية مفرداتها بلا مضمون و مقولاتها بلا دلالة .

 

 

 

                                                         الدكتور محمد توفيق سماق