نحن واقتصاد السوق ـــ المقال رقم /100/

ملحق البعث الإداري  – دمشق – سورية

العدد: 20 تاريخ 4/2005/ 18

 

يعود بنا الحديث عن اقتصاد السوق إلى الماضي القريب فمع إخفاق استراتيجيات التنمية في العديد من دول الجنوب ، الإخفاق الذي بدأت أعراضه تتأكد منذ ثمانينيات القرن الماضي بتدني معدلات النمو المحققة و ارتفاع مؤشرات البطالة وتراكم المديونية الخارجية و ارتفاع أعباء خدمتها حيث وصلت في المتوسط إلى نحو 25% من قيمة الصادرات ، انشغلت أدبيات التنمية على الصعيد العالمي بجدل حول العديد من المقولات القديمة الجديدة ، منها : الدور الاقتصادي للدولة – السوق – آليات السوق – اقتصاد السوق ….. وما شابه . ومع تفكك الاتحاد السوفيتي و انهيار منظومة الدول الاشتراكية السابقة التي ارتبطت به حُسم ذلك الجدل بالنسبة للكثيرين في العالم الذين اعتبروا تفكك الاتحاد وانهيار المنظومة شهادة تاريخ ترقى على الشك وتسمو عن الشبهات ، مفادها :

نجاح السوق واقتصاده مع فشل الدولة ودورها الاقتصادي

أما بالنسبة لنا في سورية فلا زال الجدل مستمراً حول تلك المقولات ، وفي سياق ذلك الجدل نطرح للحوار من خلال العرض الآتي أسئلة ثلاث ، هي :

ما هو السوق وآلياته واقتصاده ؟

ما هو دور الدولة في اقتصاد السوق ؟

وهل هنالك موقف رسمي في سورية من خيار اقتصاد السوق ؟

 

أولاً : السوق وآلياته واقتصاده

 

وُجد السوق منذ أقدم العصور ، أي منذ أن وجد البائع و المشتري فهو المكان الذي يلتقي فيه الطرفان لإنجاز عملية التبادل بواسطة المقايضة أو عن طريق النقود .                و السوق مصطلح حيادي لا ينحاز إلى أية أيدلوجيا فقد وُجد في عصر الإقطاع  و الرأسمالية و لاحقاً الاشتراكية وسيظل طالما وُجد بائع و مشتري . تقسم الأسواق إما حسب تخصصها ( مثلاً أسواق العمل أو الأسواق المالية ) أو حسب حدودها الجيوسياسية ( السوق الوطنية و السوق العالمية ). أما مصطلح آليات السوق فقد شاع استخدامه حالياً للدلالة على قوى السوق من عرض و طلب ، إلا أن هذا الاستخدام الضيق فيه الكثير من التعسف . فلكل سوق آلياته ( أو أدواته ) التي تحددها طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي السائد  فيه ، فمثلاً كان التوسع في ملكية الدولة عن طريق تأميم المصانع و إقامة مصانع جديدة مملوكة للدولة مع نزع ملكية الأراضي الزراعية في الريف و تحويلها إلى مزارع تعاونية أو مزارع دولة من أبرز آليات السوق الاشتراكية في العصر السوفيتي خاصة في مراحله الأولى0

بينما نجد اليوم الخصخصة بنوعيها خصخصة الملكية ( أي بيع ملكية الدولة إلى القطاع الخاص ) وخصخصة النشاط ( فتح النشاطات الاقتصادية التي كانت محصورة بالقطاع العام للقطاع الخاص ) و التنافس على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية وتشجيع رؤوس الأموال المحلية على النشاط الاقتصادي من أبرز آليات اقتصاد السوق0 هنا قد يكون من الضرورة بمكان توضيح جملة من القضايا ذات الصلة بهذا المصطلح ، ومن القضايا التي   نعني :

  • اقتصاد السوق هو مصطلح أنتجه الواقع ، أي مصطلح سوقي أكثر مما هو مصطلح مدرسي ( أو أكاديمي ) ، أي ليس له مفاهيم نظرية محددة كالأنماط الاقتصادية الأخرى مثل الاقتصاد الطبيعي* أو الاقتصاد الكلاسيكي ** .
  • يعتبر اقتصاد السوق وتحرير التجارة من أبرز عناوين هذا العصر 0 فبنتيجة حرب طويلة استمرت لأكثر من سبعين عاماً بين النظام السياسي والاقتصادي الذي أنتجته ثورة أكتوبر في روسيا والنظام السياسي والاقتصادي الليبرالي في دول الغرب الصناعي هزم نظام وانتصر آخر 0 إحدى جوائز هذا النصر كانت مطالبة الغرب للجميع في هذا العالم بالانضواء تحت راية نمطه الاقتصادي ( اقتصاد السوق ) ، مع اعتبار المترددين نشازاً والمعارضين غرباء عن العصر أو خارجين على قوانينه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  الاقتصاد الطبيعي : نمط اقتصادي موجه نحو الإعاشة الذاتية والتلبية المباشرة للحاجات 0إنه اقتصاد ما قبل   التجارة ،فالمنتج لا يتحول في إطاره إلى سلعة أي أنه اقتصاد بلا سوق .

** الاقتصاد الكلاسيكي : مجموعة النظريات والمذاهب الاقتصادية التي تقوم على الدور المحرك للمصلحة الفردية وتعتبر أعمال الاقتصادي الإنكليزي آدم سميث         ( 1723-1790) أبرز معبر عنه .

  • وفق المفاهيم الاقتصادية الكلاسيكية وعلى هدي ما يجري في العالم اليوم يمكن توصيف اقتصاد السوق بأنه :

الاقتصاد القائم على حرية الاستثمار ، والحق في الربح لقاء المخاطرة ، وسعر يحدده العرض و الطلب .

لكن هل يعني ذلك غياب الدولة عن اقتصاد السوق ؟

 

ثانياً: دور الدولة في اقتصاد السوق

 

صورة الاقتصاد التي يرسمها التوصيف السابق صورة مجردة إلى أعلى درجات التجريد ففي الماضي كما في الحاضر كان للدولة دور يختلف من عصر إلى عصر ومن دولة إلى أخرى.

فالدولة في أوروبا هي التي وحدت السوق القومية وهي التي وفرت لرأس المال أسباب التراكم عن طريق التوسع الاستعماري في الماضي . وانطلاقاً من المفهوم     ( الماركسي – اللينيني ) للدولة باعتبارها سلطة قمع بيد طبقة ضد طبقة أخرى قامت الدولة الاشتراكية في العصر السوفيتي بقيادة عملية تحول كبرى ( سياسية اقتصادية واجتماعية ) تهدف إلى تصفية ركائز السلطة القديمة للبورجوازية وحلفائها وتعزيز السلطة الجديدة للبروليتاريا وحلفائها بهدف صياغة مجتمع جديد بشرت       ( الماركسية – اللينينية ) بوفرته وعدالته على مدى عقود عديدة سبقت ثورة أكتوبر في روسيا . وبصرف النظر عن النتائج المحققة وما آل إليه الاتحاد السوفيتي من تفكك وانهيار إلا أن دور الدولة في السياسة والاقتصاد وكذلك في المجتمع كان كبيراً وعميقاً لدرجة غير مسبوقة في التاريخ البشري ، فالدولة السوفيتية أسست على قاعدة ” كل شيء في الدولة لا شيء خارج الدولة ولا شيء ضد الدولة ” بحيث استحقت عن جدارة وصف الدولة الشمولية الذي أطلقه عليها العديد من المؤرخين .

وفي عصرنا الراهن تلعب الدولة في الغرب دوراً محورياً في مجالات عديدة , أهمها :

  • رعاية صيغة من التعاقد المرن بين المترفين و المحرومين في المجتمع : في صيغة التعاقد تلك نجد الكثير من الملامح التي نادى بها الفكر الاشتراكي في مجال تقاسم الثروة وتقاسم السلطة . فتوزيع العبء و المنفعة يتم وفق أسس و ضوابط تضعها و تكفل تنفيذها سلطات الدولة الثلاث ( التشريعية و التنفيذية             و القضائية ) كل بحسب اختصاصه ، وهذه بدورها تستمد شرعيتها من المجتمع وخياراته عن طريق صناديق الاقتراع مما يعتبر في بعض جوانبه تطبيقاً عملياً لما نادى به الفكر الاشتراكي من تحرير الإنسان من الاستغلال المادي و القهر المعنوي . حققت هذه الصيغة حداً مقبولاً من التوازن و الاستقرار أدخلت تلك الدولة مرحلة متقدمة من الغنى و الوفرة ، بحيث أصبحت الآن نموذجاً ملهماً ( بالرغم من نواقصه ) للكثير من مجتمعات العالم الأخرى ودوله ، و أصبح البعض يصفون دولة الغرب تلك بدولة الرعاية الاجتماعية و يطلقون على اقتصادها وصف اقتصاد السوق الاجتماعي مما يوحي بأن المجتمع أضحى غاية الدولة و اقتصادها ؟ .
  • التدخل في تخصيص الموارد المتاحة : من المعروف أن متوسط عائد الاستثمار يتفاوت من قطاع اقتصادي إلى قطاع آخر , فمتوسط العائد في قطاع الزراعة أقل   ( حتى في البلدان المتقدمة ) منه في قطاعي الصناعة و الخدمات . و بمنطق تعظيم الربح كان من الطبيعي أن يهجر رأس المال الزراعة إلى القطاعات الأكثر ربحاً مما سيؤدي إلى اختلالات اجتماعية و اقتصادية عديدة ( هجرة قوة العمل إلى المراكز الصناعية – تراجع إنتاج و إنتاجية قطاع الزراعة …… وغيرها ) . وتجنباً لذلك تقوم الولايات المتحدة الأمريكية و دول الاتحاد الأوروبي بتقديم دعم ٍ مالي للمزارعين  بمبالغ كبيرة من موارد الدولة ( حوالي نصف موازنة المفوضية الأوروبية تخصص لدعم قطاع الزراعة في دول الاتحاد ) . وفي الولايات المتحدة الأمريكية استخدم الكونغرس الأمريكي بمجلسيه سلطته في إقرار نفقات الحكومة الفيدرالية لتشجيع توطين صناعات محددة في ولايات معينة . فحتى أوائل القرن الحالي تركز في الساحل الشمالي الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية معظم الصناعات الكبيرة , خاصة التقليدية كالفحم و الكهرباء و الحديد …. وغيرها . أما اليوم فنجد الشمال الغربي يصبح مقراً لصناعة الطيران ( ولاية أوريغون )  وأريزونا في الجنوب الغربي أصبحت بقرار من الحكومة الفيدرالية مقراً لصناعة الفضاء … و الأمثلة الأخرى عديدة على ذلك .

جملة القول أن اقتصاد السوق يحد من تدخل الدولة لكنه لا يلغيه ، و صحيح انه في الجوهر يهدف إلى تشجيع المبادرة الفردية لكنه يحتاج لسلطة المجتمع ممثلة بالدولة لتنظيم مبادرات الأفراد و توجيهها . الأمر الجوهري في ذلك هو طبيعة العقد القائم بين الفرد و الدولة  و المجتمع .

الاقتصاد المخطط مركزياً يقتضي عقداً اجتماعياً أساسه الوصاية ، أي وصاية الدولة ( السلطة ) على المجتمع . فلسفة التخطيط المركزي تقوم على إخضاع قوى السوق من  عرض وطلب لإرادة المجتمع  معبراً عنها بخيارات الدولة وسياساتها وإجراءاتها. الدولة تبعاً لتلك الفلسفة تمثل طليعة المجتمع وموقعها الطليعي هذا يبرر مشروعية وصايتها على خياراته وبالمقابل تتحمل مسؤوليات عديدة وكبيرة ، فهي المسؤول الرئيسي عن دفع الأجر وتوفير فرص العمل وتقديم السلع والخدمات بأسعار غير اقتصادية أحياناً تغطي الخسائر الناجمة عنها من مواردها أو مدخراتها . الهدف من ذلك كله وفق مناصري التخطيط المركزي والمدافعين عنه هو التعجيل في مسيرة التطور التاريخي لبلد ما عن طريق الدولة ( أو الطليعة ) ، التي تقوم وفقاً لرؤياهم بدور المندوب السامي لإرادة التاريخ في الحركة إلى الأمام ؟

أغلب الظن أن التخطيط المركزي كنمط تنموي هو خيار فات أوانه ومقولة عصر انقضى زمانه . عصرنا الراهن يعتبر كل فرد في هذا العالم طليعة بذاته ولذاته له الحق في الاختيار دون وصاية وواجب المؤسسات رسمية أو حزبية تمكينه من ممارسة هذا الحق الذي يعتبر جوهر الحرية وغاية الديمقراطية ، وكلتاهما( الحرية والديمقراطية ) من أشهر مفردات العصر ومن أبرز عناوينه .

هذا من الناحية السياسية أما من الناحية العملية فاقتصاد السوق يقتضي عقداً اجتماعياً قائماً على التراضي وليس على الإكراه ، لأن التراضي وحده يكفل الحرية في الاستثمار ويضمن الحق في الربح ويحرر قوة العرض والطلب وهذه التوليفة مجتمعة هي اقتصاد السوق .

ثالثاً : الموقف الرسمي في سورية من خيار اقتصاد السوق

حسب المعطيات المتوفرة ليس هنالك وثيقة رسمية معتمدة تتضمن موقفاً واضحاً من خيار اقتصاد السوق ، بالرغم من ذلك يمكن القول أن جملة من وقائع الوضع الراهن والتطورات المحلية والمتغيرات العالمية ، خاصة :

  • تدني كفاءة الأداء الاقتصادي ومحدودية عدالة توزيع الدخل الوطني .
  • التعددية الاقتصادية وتراجع موارد الدولة مع تنامي متطلبات التنمية .
  • انحسار الاقتصاديات المخططة مركزياً وتحرير التجارة والتنافس العالمي على التدفقات الاستثمارية .

تقتضي إجراء تحول عميق في النهج الاقتصادي لسورية يتم من خلاله الانتقال التدريجي من اقتصاد يحمل سمات التخطيط المركزي إلى اقتصاد السوق الاجتماعي. الأخذ بالنهج السابق يتطلب جملة من التوجهات وحزمة من السياسات ترتكز على عدد من الأسس منها :

  • مراجعة دور الدولة لتطويره من الوصاية إلى الرعاية : فوفق منطق العصر لم يعد مقبولاً أن تكون الدولة وصية على خيارات المجتمع وقواه الفاعلة ، ووفق حقائق الواقع لم تعد الدولة قادرة منفردة على ممارسة دور الأب الذي يدفع الأجر ويخلق فرصة العمل ويوفر السلع والخدمات بأسعار غير اقتصادية يغطي الخسائر الناجمة عنها من موارده أو مدخراته لأن الموارد لم تعد كافية والمدخرات قابلة للنضوب . لذلك لابد من أن يأخذ دور الدولة شكل الرعاية بدلاً من الوصاية ، بحيث تقوم الدولة برعاية حالة من التعايش بين مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية قائمة على صيغة من التعاقد المرن بين المترفين والمحرومين . فتوزيع العبء والمنفعة يتم وفق أسس وضوابط تضعها وتكفل تنفيذها سلطات الدولة كل بحسب اختصاصها تمول بشكل أساسي عن طريق موارد الخزينة العامة من الضرائب والرسوم ، مما يمّكن على سبيل المثال من :
  • تقليص الدعم التمويني المقدر حالياً بحوالي100 مليار ليرة سورية سنوياً الذي يستفيد منه الجميع أغنياء وفقراء لتوسيع الخدمات المجانية في الصحة والتعليم التي يستفيد منها في الغالب الطبقات والشرائح الأضعف في المجتمع .
  • إحداث صندوق للبطالة يمول من القطاعين العام والخاص بدلاً من إقامة مشاريع خاسرة لخلق فرص عمل ، إذ أن مثل هذه المشاريع لا تحل مشكلة البطالة بل تنقلها من الشارع إلى المعمل وبتكاليف عالية يدفعها المجتمع من خلال الدولة .
  • تقديم دعم بأسعار الفائدة للإقراض الموجه للمشاريع الجديدة القادرة على خلق فرص عمل بأعداد كبيرة ، على أن يتم تمويل هذا الدعم من خلال تقليص الدعم التمويني أو الوفر الناجم عن معالجة أوضاع بعض منشآت القطاع العام الخاسرة أو فرض رسم على القطاعين العام  والخاص … أو ما شابه .
  • تسعير مدخلات الإنتاج ومخرجاته بأسعار السوق : مما يقتضي إعادة النظر بتسعير قوة العمل ورأس المال والمادة الأولية ، باستثناء بعض السلع أو الخدمات التي تجد الدولة لأسباب اجتماعية أو تنموية ضرورة ملحة لتسعيرها بشكل إداري على أن يتم ذلك في أضيق الحدود .
  • تحسين الأداء الاقتصادي للقطاع الخاص وتطوير دوره الاجتماعي : القطاع الخاص يعاني من تدني الأداء الاقتصادي ومحدودية دوره الاجتماعي . فوفق البيانات الرسمية سجلت إنتاجية رأس المال الخاص تراجعاً شبه مستمر منذ عام 1990 وحتى عام 2002 ، كما أن مساهمته في إجمالي موارد الخزينة العامة من الضرائب تبلغ نحو 14% بالرغم من أنه يساهم بنحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي 0المدخل لتحسين الأداء الاقتصادي لهذا القطاع هو إدراكه بأن منطق العصر لم يعد يسمح بتوفير مستويات الحماية السابقة ( أو السائدة حالياً) ، مما يقتضي إعادة تأهيله ليصبح أكثر قدرة على المنافسة في سوق مفتوحة فتحرير التجارة سيستمر وبالتالي سيتنامى مستوى المنافسة طرداً مع ذلك . للدولة في عملية إعادة التأهيل نصيب عليها أن تتحمله ، لكن بالمقابل على القطاع الخاص دور في توفير الموارد الكافية للخزينة العامة للدولة عليه القبول به وتحمل أعبائه ،فلم يعد مقبولاً أن تبقى مساهمة القطاع الخاص في سورية بالمستويات المتدنية المشار إليها سابقاً . يجب اتخاذ الإجراءات الكفيلة بزيادة تلك المساهمة ، علماً بأن العبء الضريبي في سورية البالغ حالياً نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي هو من المستويات المتدنية بالمقياس العالمي حيث تصل هذه النسبة في بعض دول الشمال الصناعي إلى ما يزيد على 40% أحياناً .
  • تقييم القطاع العام وفق مبدأ الربح والخسارة : مما يستدعي تمييز نوعين :

– منشآت ذات وظيفة استراتيجية : قد تختلف الآراء بشأن التصنيف،لكن بشكل عام أجد أن المشافي والجامعات والمطارات والمرافئ   والسدود … وما شابه قابلة لأن تدرج تحت العنوان السابق . المطلوب هنا الحفاظ على هذه المنشآت وتطوير أدائها الاقتصادي قدر الإمكان ، وقد قيل وكتب الكثير حول كيفية تطوير هذا الأداء وتحسينه .

– منشآت ذات وظيفية اقتصادية : أي تخضع لمقاييس الربح والخسارة ، مثل منشآت الإنتاج السلعي أو الخدمي ( شركات صناعية أو إنشائية ، فنادق … الخ ) . وهنا أرى تقسيم تلك المنشآت إلى صنفين خاسر ورابح ، الرابح منها يمكن الحفاظ عليه وتطويره بإضافة استثمارات جديدة أما الخاسر فلا بد من اتخاذ مواقف جريئة وواضحة بشأنه ، مثل : تغيير النشاط – التوقف عن العمل – طرحها للاستثمار الخاص وفي ذلك كله لابد من التأكيد على حقوق العاملين وعدم اللجوء إلى تسريح أي  منهم ، فعمال اليوم وأسرهم ليسوا مسؤولين عن أخطاء السياسات التنموية وخطايا ممارساتها .

 

أخيراً نختم بالتأكيد على أن التحول إلى اقتصاد السوق أضحى ضرورة تقود إلى ضرورات أخرى سياسية ، اقتصادية واجتماعية . هنالك بعض الأصوات التي قد تعارض تحولات كهذه تحت عناوين مختلفة ، فالتحولات الكبرى دائماً هي موضوعاً لحوار تيارات المذاهب والمصالح كما أن مقاومة التغيير جزء من الطبيعة البشرية

 لذلك نقول أن معارضة كتلك أمر طبيعي … لكن ما هو غير طبيعي أن يتردد القرار أمام مقاومة التغيير عندئذٍ ستكون الكلف عالية والأخطار كبيرة .

 

                                    الدكتور محمد توفيق سماق