وجهة نظر الإلغاء الآخر المطلوب بعد إلغاء المرسوم 24 وتعديلاته ــ المقال رقم /86/

صحيفة البعث – دمشق  – سورية       

العدد :12115 تاريخ 14/7/2003

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 33 لعام 2003 القاضي بإلغاء المرسوم التشريعي رقم 24 لعام 1986 وتعديلاته  ( المرسوم رقم 6 لعام 2000 ) كما نص المرسوم الجديد على اعتبار محاكم بداية الجزاء الجهة القضائية المختصة بالنظر في المخالفات المرتكبة لأحكامه بدلاً من محاكم الأمن الاقتصادي كما كان سائداً حتى الآن ( وفق المرسومين السابقين 24و6 ) . عملية الإلغاء هذه تستحق التقدير والدعم لأكثر من سبب منها :

  • المبادرة إلى تعديل أو إلغاء بعض الأنظمة والتشريعات ( أياً كانت ) فيها استجابة لمنطق التطور ، فلكل عصر لغته ولكل زمان أحكامه .
  • اقترن المرسوم التشريعي رقم 24 منذ صدوره وحتى بعد تعديله في عام 2000 بخلق مزاج عام من الخوف والقلق في سوق الأعمال لدينا،  وكلتا الظاهرتين بطبيعتهما كابحتين للمبادرة طاردتين للاستثمار .
  • لم يؤد المرسوم الغاية التي قصدها المشروع من اصداره أي استقرار سعر صرف العملة الوطنية تجاه العملات الأخرى حيث وصل سعر صرفها تجاه الدولار الأمريكي في الشهر التاسع من عام 2002 إلى حوالي ٥٦ ل.س للدولار الواحد . إن تأرجح قيمة العملة الوطنية ارتفاعاً وهبوطاً من ظرف إلى ظرف ومن فصل إلى آخر ما هو إلا دليل لا تخطئه العين على عجز الاجراءات الإدارية القسرية عن اخضاع قوى السوق لرغباتها وشروطها . جملة القول هنا أن المرسوم 24 وتعديلاته أوصل إلى عكس ما أريد منه .

تأرجح في قيمة العملة الوطنية واهتزاز ثقة المستثمرين في اقتصادنا وبالتداعي يصل المهتم إلى السؤال التالي : هل المرسوم ٢٤ وحده وتعديلاته ما يتطلب الإلغاء ؟

القائمة طويلة وربما كان أكثرها إلحاحاً- الآن – مرسومين آخرين شقيقين للمرسوم ٣٧ لعام ١٩٦٦ المصدر لقانون العقوبات الاقتصادية والمرسوم رقم 46لعام 1977 المحدث لمحاكم الأمن الاقتصادي ( طبعاً وتعديلاتهما) . المراسيم  الثلاثة السابقة تشكل عائلة واحدة اسمها القسر وكنيتها الاستثناء وإلغاء هذه العائلة من تشريعاتنا القضائية أضحى قضية ملحة تتطلبها ضرورات عديدة منها :

  • عجز المراسيم السابقة عن تحقيق وظيفتها القانونية باعتبارها وسائل ردع ووظيفتها الاقتصادية باعتبارها وسائل حماية للاقتصاد الوطني وكذلك وظيفتها الاجتماعية باعتبارها أدوات كبح للميل نحو الانحراف لدى البعض من أفراد المجتمع . فالجريمة الاقتصادية في ازدياد والفساد ظاهرو يتحدث عنها الجميع أفراداً ووسائل إعلام ومسؤولين وتنامي عدد القضايا المعروضة أمام محاكم الأمن الاقتصادي شاهد وبينة على أن المراسيم السابقة بلا  وظيفة إيجابية قانونية أو اقتصادية أو اجتماعية .
  • أدت تلك التشريعات خاصة ما نصت عليه من توقيف المتهم قبل أن تثبت إدانته إلى اهتزاز الثقة في عدالة إجراءات التقاضي . فالكثير من المتهمين الذي أحيلوا إلى محاكم الأمن الاقتصادي حوكموا وحكمت المحاكم ببراءتهم بعد إجراءات تقاض طويلة ومضنية كانوا خلالها موقوفين لشبهة لم تثبت أو ذنب لم يرتكبونه ؟
  • وفي هذا السياق يروى أنه بعد نجاح ثورة 23تموز ( يوليو ) في مصر طالب بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة بمحاكمة الملك فاروق وإعدامه . عارض الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ذلك بمنطق بسيط قائلاً : ما هو معنى أن نحاكم الملك ونعدمه ؟ إذا كنا قد قررنا سلفاً أن نعدم الملك فلماذا نحاكمه ؟ المنطق نفسه ينطبق على تشريعات محاكم الأمن الاقتصادي لدينا . إذ يمكن للمرء أن يسأل:

إذا كان القانون قد قرر سلفاً حبس المتهم فلماذا  نحاكمه ؟

بالإضافة إلى ما سبق فإن تقييد حرية المتهم أثناء محاكمته هو تقييداً لحريته في البحث عن أدلة براءته  ، أليس في ذلك تقييداً لحقه في الدفاع عن نفسه ؟   فكيف له بعد ذلك كله أن يطمئن لإجراءات تقاض تقيد حريته لشبهة وتعاقبه لجريمة لم تثبت ؟ دفع ذلك بالكثيرين من موظفي الخدمة العامة للتهرب من تحمل المسؤولية بدافع من غريزة البقاء وخوفاً من شبهة الخطأ التي قد تقود المتهم للتعامل مع اجراءات تقاض لا يطمئن لعدالتها . أليس في التهرب من تحمل المسؤولية ضرر للاقتصاد الوطني ألا يعني ذلك شيئاً من التناقض بين الغاية من التشريع ( أي حماية الاقتصاد الوطني ) والنتيجة التي أدى إليها ( أي التهرب من تحمل المسؤولية ) ؟

  • اضحت تلك التشريعات غريبة عن العصر ونشازاً في سياقه فالأول صدر عام 1977أي في عصر كان التشدد من مفرداته الرائجة . نحن اليوم في عصر يكثر الحديث فيه عن أولوية حقوق الفرد وأحياناً عالميتها ومن هذه الحقوق الحق في اجراءات تقاض يتبارى الجميع بالحديث عن ضمان عدالتها . فالاتحاد الأوروبي طالب تركيا بذلك أثناء بحثه طلب انضمامها إلى عضويته في قمة الاتحاد التي عقدت في كوبنهاغن (12/2002 ) والمحاكمة الشهيرة لجيولوأندريوتي في إيطاليا التي اعتبرها البعض من محاكمات العصر المعدودة نموذجاً آخر على التوجه العالمي في هذا المجال .
  • فاندريوتي أحد أشهر الزعماء السياسيين الإيطاليين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تولى رئاسة الحكومة الإيطالية ووزراة الخارجية فيها لعدة مرات .اتهم بالانتماء إلى صفوف المافيا ، دامت محاكمته نحو عشر سنوات حوكم خلالها أندريوتي طليقاً أمام عدسات المصورين حتى أنه حين صدور الحكم ببراءته لم يكن في قاعة المحكمة . مثله في تلك الجلسة محاميته جوليا بونجورنو التي ما أن سمعت بقرار المحكمة حتى سارعت إلى الاتصال باندريوتي صارخة : سيدي الرئيس لقد برأت المحكمة ساحتك اتسمعني جيداً انت بريء من التهم الموجهة إليك … وهنا يتبادر إلى الذهن سؤالاً :

لماذا يستطيع القانون الإيطالي وقضاؤه التعامل مع نوع من أخطر أنواع الجرائم على الإطلاق ( جرائم المافيا ) دون إجراءات استثنائية وتعجز القوانين الأخرى عن ذلك ؟

تأسيساً على ما سبق – وغيره – طالب برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وضعته مؤخراً لجنة وطنية من الخبراء وأقرت هدفه ومنطلقاته الحكومة بإلغاء عائلة القوانين القسرية تلك مع التأكيد – حسب ما ورد في البرنامج – على أن ذلك …شرطاً ضرورياً لإعادة الشعور بالأمن الشخصي لموظف الخدمة العامة مما يؤسس لتنمية الرغبة والقدرة لديه لتحمل المسؤولية وممارستها . جوهر الإصلاح يكمن في إصلاح ما أفسدته الحياة فينا أو أفسدناه في حياتنا تلك التشريعات جاءت بالأصل للمساعدة على إصلاح بعض ما فسد في حياتنا لكن وبالتجربة – كما أوضحنا – أدت إلى إفساد العديد من جوانب علاقتنا باقتصادنا وعصرنا فلنصلح ذلك بإلغائها على أن تقترن عملية الإلغاء بتطوير تشريعات القضاء العادي وأجهزته وأليات عملها بما يجعلها أكثر قدرة على التعامل مع الجريمة الاقتصادية . الجريمة ( اقتصادية وغير اقتصادية ) منتشرة في كل دول العالم وهي موجودة منذ الأزل منذ أن وجد الإنسان.    ف ” كل ابن آدم خطاء ” . الضرورات الأخلاقية والوطنية تقتضي التصدي للجريمة بحزم لكن بلغة معاصرة قواعدها : لا تقييد لحرية على شبهه …ولاعقاب على جريمة لم تثبت .

 

الدكتور محمد توفيق سماق