رسـائل مصـرية ـــ المقال رقم /146/

صحيفة تشرين   – دمشق – سورية

العدد:   11020 تاريخ  2/2011/ 16

أخيراً انتصرت ثورة شباب مصر و رحل حسني مبارك بعد تخليه عن رئاسة جمهورية مصر العربية التي شغلها لمدة ثلاثين عاماً إلى منتجع شرم الشيخ كما أُعلن . انتصار الثورة ورحيل مبارك يحمل للعالم العديد من الرسائل التي تستحق القراءة وتستوجب الدراسة ,  منها :

الرسالة الأولى : إن الشعوب هي مصدر الشرعية و أنها الأقوى و الأقدر كما أن صبرها قد يطول فتمهل لسنوات وربما لعقود إلا أنها لا تنسى و لا تهمل . فشعب مصر لم ينس لنظام مبارك إضعاف دور مصر العربي ودوره في حماية أمن إسرائيل كما لم ينس له انقلابه على مصالح الطبقات الاجتماعية التي أعطت الأنظمة السياسة التي تعاقبت على مصر منذ ثورة 23 يوليو عام 1952 وحتى اندلاع ثورة يناير 2011 شرعيتها . بانقلاب نظام مبارك على شرعية ثورة يوليو فقد شرعيته لذلك كان أول و أبرز شعارات ثورة يناير   ” الشعب يريد إسقاط النظام “

يعني أن الشعب لم يعد يعترف بشرعية النظام و يعني أيضاً أن الشعب يريد تأسيس شرعية جديدة و نظام جديد  وهذا  ما صنعته ثورة يناير حيث أسست لشرعية أخرى أغلب الظن أنها ستكون بديلة لشرعية يوليو التي انقلب عليها نظام مبارك منذ زمن طويل فاستحق السقوط .

الرسالة الثانية :صحيح أن شباب مصر هو الذي فجر ثورة يناير إلا أن من صنع للثورة أسباب الانفجار هو النظام نفسه بالفقر و الفساد و البطالة . فتوجهات نظام مبارك السياسية أدت إلى وضع القرار الاقتصادي في مصر بيد ثنائي مكون من بيروقراطية السلطة و رجال المال و الأعمال . إن زواج المتعة بين السلطة و المال أنجب وليداً وحيداً غير شرعي اسمه الفساد .  و للفساد كلفاً وتكاليف إنه أشبه بضريبة يدفعها الفقراء للأغنياء , فازداد الفقر و تراكمت البطالة بالرغم من معدلات نمو مقبولة في المقياسين العربي و الدولي حققها الاقتصاد المصري خاصة في السنوات الأخيرة قدرت بحوالي 6 % سنوياً . لكنه كان نمواً موجها ً ( أو كما يُسمى محابياً ) للأغنياء فازداد الأغنياء غنىً و الفقراء فقراً ؟ !

فنسبة الذين يعيشون بأقل من دولارين في اليوم في مصر تقدر حالياً بحوالي  40 % من الشعب المصري أي مايقارب 35 مليون كما أن نسبة البطالة تقدر بحوالي 9 % من قوة العمل أي نحو 2,3 مليون عاطل عن العمل معظمهم من شباب مصر ذوي التأهيل العلمي العالي أو المتوسط , وهؤلاء هم الذين شاهدناهم على شاشات التلفزيون  وسمعنا أصواتهم في شوارع المدن المصرية من العريش إلى أسيوط مروراً بالقاهرة و الإسكندرية .

الرسالة الثالثة : إن الغرب لايتحالف إلا مع مصالحه و أن وطن الغنى أمواله . فالمتابع لموقف الغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية خلال أيام الثورة المصرية يجد أن رموز الإدارة الأمريكية بمن فيهم الرئيس أوباما نفسه كانوا أكثر إلحاحاً على إحداث التغيير الفوري في مصر حتى من بعض الثائرين في ميدان التحرير وسط القاهرة وبدا أوباما و كأنه واحداً منهم أو يريد الانضمام إليهم خلال ساعات  .  ذلك لم يكن بطبيعة الحال من أجل مصر و شعبها إنما من أجل الغرب ومصالحه خاصة النفط و إسرائيل و عدم دفع الشارع المصري و معه الشارعين  العربي   و الإسلامي لمزيد من العداء و التطرف , هذا ماكرره رسميي الغرب و مفكريه وصحفييه بأشكال مختلفة في وسائل الإعلام خلال أيام الثورة. من جهة أخرى تابع الجميع ماتناقلته وسائل الإعلام عن التدافع لتحويل رؤوس الأموال من مصر و محاولات بعض أصحابها من رجال المال و الأعمال الهروب إلى الخارج , مما دفع بنظام مبارك نفسه أي النظام الذي صنعهم إلى تقييد تحويلاتهم المالية   و منع العديد منهم من السفر . هذا ماحصل في تونس قبل ذلك أيضاً بعد سقوط النظام و هروب زين العابدين بن علي إلى السعودية . ألا يذكرنا ذلك بمقولة كارل ماركس الشهيرة : رأس المال لاوطن له , ونضيف لاحليف له أيضاً .

الرسالة الرابعة : إن الأحزاب التي تصنعها السلطة هي مؤسسات سلطة تنهار بانهيارها . فالحزب الوطني المصري ضم أكثر من ثلاثة ملايين وحزب التجمع الدستوري في تونس ضم أكثر من مليونين. أين تلك الملايين عندما حرقت أو هوجمت مقرات تلك الأحزاب و امتلأت الشوارع بالمتظاهرين بل أين هي الآن بعد سقوط الأنظمة التي صنعتها ! ؟

  بالمقابل أليس هنالك أحزاباً عقائدية حافظت على وجودها و إن كان بأعداد أقل و أكدت دورها بالرغم من عمق التغيرات و عنف التحولات كالبعث في العراق و الإسلاميين في مصر وغيرها و الشيوعيين في روسيا . تلك أحزاب لم تصنعها السلطة بل هي التي صنعت سلطاتها و أدوارها ومع فقدانها للسلطة حافظت بأشكال متنوعة و متعددة على عقائدها و أدوارها .

 

خاتمة الرسائل إن ماجرى في مصر جاء على غير موعد و كأنه زلزال حدث في أم الدنيا فهل سيكون له كزلازل الطبيعة ارتدادات إقليمية و دولية …….. هذا ما سيجيب عليه القادم من الأيام ؟!.

 

 

                                                                       الدكتور محمد توفيق سماق